12 أيار 2026 12:45ص زيارة سلام إلى سوريا خطوة نوعية على طريق تفكيك الدولة العميقة

حجم الخط
لا يمكن قراءة الزيارة الثانية لرئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى سوريا نهاية الأسبوع المنصرم بمعزل عن سلسلة المواقف المتناغمة التي اتخذتها الحكومة اللبنانية في الأشهر الأخيرة. فمنذ قرارها في الخامس من آب الماضي تكليف الجيش اتخاذ الإجراءات اللازمة لفرض حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، بدءاً من جنوب الليطاني، مروراً بإعلانها في الثاني من آذار/مارس حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـحزب الله واعتبارها خارجة عن القانون، وصولاً إلى تأكيدها أن تلك الأنشطة تتعارض مع مبدأ حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، تبدو هذه الزيارة امتداداً لمسار سياسي متكامل أكثر منها خطوة دبلوماسية منفصلة.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند دلالات هذه القرارات التي تعكس، في جوهرها، توجهاً واضحاً نحو مواجهة ما يُعرف بـ«الدولة العميقة» في لبنان، رغم التشكيك الذي يبديه العديد من السياسيين حيال قدرة الدولة على تنفيذ هذه القرارات. كما أن هذا التوجّه يأتي رغم التعثر الذي أفضت إليه التدابير المتخذة في جنوب الليطاني، والتي لم تنجح حتى الآن في تكريس مبدأ حصرية السلاح بصورة كاملة.
تختلف زيارة الرئيس نواف سلام الأخيرة إلى سوريا عن زيارته الأولى في 14 نيسان/أبريل 2025، التي جاءت بعد ستة أسابيع فقط من تشكيل حكومة وجدت نفسها في مواجهة إرث ثقيل من الارتباك والضبابية في التعاطي مع سلاح حزب الله. لقد استند هذا الإرث إلى تغليب نظريتيّ الاحتواء وعدم تعريض السلم الأهلي للخطر، على الاعتراف بأن السيادة الوطنية تواجه أزمة حقيقية، وأن استمرار تجاهلها يهدد السلم الأهلي نفسه.
في ذلك الوقت، كانت «الدولة العميقة» المتمثلة بـ حزب الله وامتداداتها من حلفاء بشار الأسد داخل الإدارة اللبنانية، لا تزال تعيش حالة إنكار تجاه الإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. بالإضافة إلى ذلك كانت أوهام الرهان على عودة إيران إلى دمشق لا تزال تُخيّم على المشهد، في ظل الاشتباكات في الساحل السوري مع بقايا النظام السابق، ومحاولات قوات سوريا الديمقراطية فرض صيغة فدرالية كردية في شمال شرق سوريا، إلى جانب الرهانات على أن يتحوّل الاختراق الإسرائيلي في الجنوب السوري إلى مسار إنفصالي يحظى بدعم الولايات المتحدة الأمريكية.
فما هي المتغيرات التي أحاطت بزيارة نواف سلام إلى سوريا، وكيف يمكن قراءة نتائجها في سياق المشهد الجديد؟
تأتي زيارة الوفد الوزاري برئاسة سلام إلى سوريا في ظلّ متغيّرات جيوسياسية فرضتها العودة الأميركية إلى منطقة الشرق الأوسط. هذا وتعكس الحروب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت مع حرب الإثني عشر يوماً (من 13 حتى 24 حزيران/يونيو 2025)، ثم تجددت بنسختها الثانية الأكثر عنفاً في 28 شباط/فبراير 2026، والتي لا تزال مستمرة بأشكال متعددة، تحوّلاً واضحاً في مسار الوظيفة الإقليمية لإيران التي كانت تحظى بقدر من القبول الأميركي في مراحل سابقة.
فإذا كانت الزيارة الأولى لم تعكس نضجاً كافياً في فهم المشهد الإقليمي، إذ جاءت على وقع اشتباكات عنيفة شهدتها الحدود الشرقية بين مسلحي حزب الله ووحدات من الجيش السوري، وعقب اتهامات وجهتها دمشق إلى حزب الله بالتوغل داخل الأراضي السورية، فإن الزيارة الثانية تأتي في ظل وقائع ميدانية ومتغيرات سياسية مختلفة تماماً، توحي بأن الضغوط على إيران باتت تتقدم عبر مسارين متوازيين ومتناغمين.
يضع الحصار الإقتصادي الخانق، إلى جانب الحشد العسكري غير المسبوق، إيران أمام معادلة شديدة التعقيد: إما استسلام غير معلن، أو هدنة هشة تبقى مهددة بالإنهيار في أي لحظة. وفي موازاة ذلك، يشهد النفوذ الإيراني تراجعاً متسارعاً في لبنان والعراق، وإن عبر مسارات وسيناريوهات مختلفة، بعدما سقط بالكامل في سوريا. لكن الفارق الأبرز يتمثل في أن الزيارة الثانية جاءت بعد جولتين تمهيديتين للتفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، عُقدتا في 14 و23 نيسان/أبريل في واشنطن، على مستوى سفيري البلدين، وذلك على خلفية إعلان رئيس الجمهورية جوزاف عون استعداد لبنان للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
تدلّ النتائج التي أعلنها الرئيس نواف سلام من دمشق على دخول العلاقات بين لبنان وسوريا مرحلة جديدة تُسقط عملياً الموروث الذي كرّسته معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق، والتي عطّلت دور المؤسسات الدستورية والوزارات اللبنانية لصالح المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري، الذي تحوّل لعقود إلى مرجعية وصاية فعلية على الدولة اللبنانية في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية وغيرها.
ومن خلال التشديد، في البيان الذي تلاه سلام، على إعادة الاعتبار إلى المؤسسات الرسمية في مختلف الملفات ولا سيما إبرام الإتفاقيات المتعلقة بالربط الكهربائي، واستجرار الغاز، والرسوم المفروضة على الصادرات، ورسوم الترانزيت، والتعاون في مجالات المواصفات والمعايير الفنية والفحوصات المخبرية فإن هذه الخطوة لا تعكس فقط إعادة تنظيم للعلاقة بين الدولتين على أسس مؤسساتية واضحة، بل توجه أيضاً ضربة قاسية إلى مصادر التمويل غير الرسمية التي طالما استفادت منها «الدولة العميقة» في لبنان.
لعلّ أكثر ما يثير الإستغراب هو تجاهل حزب الله ومن يدور في فلكه لزيارة سوريا، رغم ما تحمله من مؤشرات سياسية عميقة تتجاوز بُعدها البروتوكولي. فـ«رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة»، ويبدو أن هذه الخطوة قد بدأت بالفعل.
غير أن الخطوة الأكثر أهمية في مسار تفكيك «الدولة العميقة» تبقى في تحمّل الدولة اللبنانية مسؤولياتها الكاملة في ضبط أمن الحدود، ومنع استخدام لبنان منصة للإضرار بالأشقاء العرب، وخصوصاً سوريا، إضافة إلى تفكيك منظومة الحماية التي يوفرها حزب الله لمسؤولين مرتبطين بالنظام السوري السابق.

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات