في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، وفي خضمّ متغيّرات عاصفة تعيد تشكيل المنطقة، وتزامناً مع مشهد ميداني قلق في لبنان؛ حيث لا تزال الغارات الإسرائيلية تخرق أجواء الهدوء وتستهدف السيادة اللبنانية رغم سريان الهدنة، تتجه الأنظار نحو بيروت مع الإعلان عن تعيين الفريق فهد بن علي الدوسري سفيراً فوق العادة ومفوضاً للمملكة العربية السعودية لدى الجمهورية اللبنانية. هذا التعيين، الذي يأتي خلفاً للسفير الوليد البخاري، يتجاوز في دلالاته حدود الإجراءات الدبلوماسية الاعتيادية، ليرسم ملامح «استراتيجية الحضور» السعودي الجديدة في لبنان؛ استراتيجية تقوم على تقديم مظلة أمان صلبة للدولة ومؤسساتها في مواجهة رياح الفوضى الإقليمية والاعتداءات المستمرة.
• رجل يجمع بين حقيبتين نادراً ما تجتمعان
وُلد الدوسري في مدينة الخرج عام 1961، وبنى مسيرته المهنية الطويلة على ركيزتين نادراً ما تجتمعان في شخص واحد: الخبرة الأمنية السيادية والخبرة الدبلوماسية الميدانية. فالرجل الذي شغل منصب مدير عام المباحث العامة في المملكة برتبة فريق، يمثّل أحد أعمدة المنظومة السيادية السعودية، ويمتلك خبرة تراكمية عميقة في إدارة الملفات التي تتقاطع فيها المصالح الوطنية بالأمن الإقليمي.
ولم تكن مسيرته الدبلوماسية أقل ثراءً؛ إذ جاب محطات متعددة ومتباينة صقلت تجربته وعمّقت رؤيته. بدأ من القسم القنصلي في بانكوك ثم المنامة، قبل أن يُكلَّف برئاسة بعثة المملكة في النيجر قائماً بالأعمال، ثم توالت سفاراته في جمهورية غينيا وسيراليون، وأذربيجان على البوابة الآسيوية الوسطى، وصولاً إلى السنغال حيث أنهى مهامه عام 2021. وهي محطات تكشف عن دبلوماسي اعتاد العمل في بيئات هشّة ومعقّدة، مما يجعله اليوم أمام تعقيدات بيروت أكثر تهيؤاً واستعداداً.
إن الانتقال من قيادة جهاز أمني سيادي إلى رأس البعثة الدبلوماسية في بيروت يحمل رسالة واضحة: الرياض باتت تتعامل مع الملف اللبناني بوصفه ملف أمن قومي واستقرار استراتيجي، لا مجرد ملف دبلوماسي عادي. المملكة لا ترسل دبلوماسياً بروتوكولياً، بل ترسل رجلاً يفهم خرائط المخاطر، ويُحسن قراءة الملفات الأمنية المعقدة في بلد لا يزال يتجرّع تداعيات حرب مدمرة.
• ثنائي دبلوماسي يقود المرحلة
لا يمكن قراءة هذه المهمة بمعزل عن الدور المتقدم الذي يضطلع به الأمير يزيد بن فرحان، مستشار وزارة الخارجية المكلف بالملف اللبناني. فهو يمثّل «دينامو» التحرك السعودي المعاصر تجاه بيروت، إذ يعكس حضوره الميداني وتنسيقه الرفيع مع القوى اللبنانية والدولية حجم الاهتمام الذي توليه المملكة لمنع انزلاق لبنان نحو الفراغ والفوضى.
هذا الثنائي الدبلوماسي؛ يزيد بن فرحان ببعده التنسيقي والسياسي، وفهد الدوسري ببُعده التنفيذي السيادي، يشكّل اليوم أقوى رسالة سعودية موجّهة إلى لبنان منذ سنوات. رسالة مفادها أن المملكة لن تكتفي بدور المراقب أو المعلّق من بعيد، بل هي الشريك الحريص الفاعل على إعادة التوازن العربي إلى الساحة اللبنانية، بعيداً عن سياسات المحاور التي أرهقت الدولة وأضعفت مؤسساتها.
• مظلة الأمان في ثلاثة مسارات
تتجلّى المظلة السعودية في لبنان اليوم عبر ثلاثة مسارات متكاملة:
أولاً - دعم منطق الدولة والمؤسسات: تؤكد المصادر الدبلوماسية أن الأولوية السعودية الكبرى هي دعم الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية الشرعية كافة، إذ ترى الرياض في قوة هذه المؤسسات وتماسكها الضمانةَ الوحيدة الفعلية لمنع انزلاق الدولة اللبنانية نحو مزيد من الفوضى والتفكك. وهو ما ينسجم تماماً مع الخلفية التي يحملها السفير الدوسري في مأسسة العلاقات وتحصين الدولة من الداخل.
ثانياً - الاستقرار السياسي وصون السيادة: تسعى الرياض عبر مشاركتها الفاعلة في اللجنة الخماسية الدولية إلى تأمين توافق لبناني حقيقي، يُفضي إلى قيادة تضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار. وهذا الدور يرسّخ مكانة المملكة مرجعيةً عربية لا تتدخل في الشؤون الداخلية، بل توفر الغطاء الدولي اللازم لحماية الكيان اللبناني وصون هويته.
ثالثاً - الشراكة في بناء إقليم مستقر: تعكس السياسة الخارجية السعودية الجديدة، القائمة على مبدأ الازدهار المشترك، قناعةً راسخة بأن لبنان المستقر جزء حيوي لا يتجزأ من أمن المنطقة واستقرارها. لذا، فإن الدعم السعودي اليوم ليس موسمياً أو ظرفياً، بل هو دعم بنيوي يهدف إلى تمكين لبنان من استعادة عافيته الاقتصادية والسياسية على المدى البعيد.
• من مرحلة الضغط إلى مرحلة البناء
جاء الدوسري خلفاً لوليد بخاري، الذي أدار الملف اللبناني في مرحلة استثنائية بالغة الصعوبة، ولعب دوراً محورياً في اللجنة الخماسية ودعم مسار انتخاب الرئيس. ونقل الراية بين الرجلين ليس قطيعةً مع النهج، بل استمرار له بأدوات مختلفة تتناسب مع متطلبات مرحلة جديدة. إذا كانت مرحلة البخاري مرحلة ضغط وانتظار ومبادرات سياسية، فإن مرحلة الدوسري قد تكون مرحلة بناء وتثبيت، تحتاج إلى رجل يجمع بين الحنكة الدبلوماسية والحساسية الأمنية العالية.
• الصخرة في مواجهة أمواج الفوضى
يصل السفير فهد الدوسري إلى بيروت وفي حقيبته رؤية المملكة الواضحة والصريحة: لا تهاون في السيادة، ولا بديل عن الدولة الجامعة. وبدعم الاهتمام الخاص الذي يقوده الأمير يزيد بن فرحان، تضع الرياض ثقلها الكامل لتكون الصخرة التي تتحطم عليها أمواج الفوضى الإقليمية. إنها مرحلة الدبلوماسية الحازمة والداعمة في آنٍ معاً، التي تعيد لبنان إلى مكانته الطبيعية والتاريخية: قلباً نابضاً للعروبة وجسراً للحوار بين الحضارات، تحت مظلة أمان عربية راسخة، تؤمن بأن استقرار لبنان يبدأ من الداخل، عبر احترام الدستور وتعزيز مؤسسات الدولة وصون الثقة الدولية بها.
وبيروت، التي طالما اشتكت من التخلي وتقلّب المواقف، باتت اليوم أمام فرصة حقيقية لبناء علاقة سعودية - لبنانية على أسس أكثر رسوخاً، وأبعد مدى، وأعمق معنى. فالكرة اليوم في الملعب اللبناني؛ هل يحسن لبنان استثمار هذه اللحظة العربية النادرة والاستثنائية، أم يدعها تمرّ كما مرّت فرص كثيرة ومؤلمة من قبل؟