بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 كانون الثاني 2026 12:00ص سليم دكاش: تأصيل رسالة رهبنة ووصايا وقِيَم معرفية لبناء السلام

حجم الخط
التربية هي المدماك الأساس للمواطنة، خبز بناء الدولة وملحها، والجامعة معجنها الذي يصهر الشباب في رحابها. البروفسور الأب سليم دكاش اليسوعي حمل في فكره وقلبه هذه المهمة المشرّفة وقاد الجامعة العريقة - جامعة القديس يوسف - في هذا المسار الإنساني الى جانب مسارات علمية لأجيال تنتمي الى الوطن لبنان.
كان قوله في 25 تشرين الأول 2019 بمثابة بوصلة للشباب في الساحات: «نحن في إطار تجديد للحياة الوطنية ويجب ألا نغرق في الوحول، لا بدّ من الإصغاء إلى الشعب وأخذ اجراءات تؤدي إلى الخلاص الوطني». فكانت كلمته إضاءة كتبنا في هديها مدونة سلوك وطنية تحت عنوان: «نأمل تصرف الشباب في ساحات التعبير عن الرأي وفق منظومة القيم الوطنية والأخلاقية حتى لا نغرق في الوحول».
أما في مؤتمر جنيف الدولي 2021 «ميثاق الاعتدال لبناء الدولة في لبنان» شدّدَ البروفسور دكاش على دور الجامعة الملتزمة بوطنيّتها اللّبنانيّة لإعداد الطلاب كي يصبحوا «مواطنين لبنانيّين لا مجرّد أفراد تائهين لا هويّة لهم ولا قِيَم يسترشدون بها. من هذا المنظور قال أن الجامعة - كما الدولة - مسؤولة عن تجديد مسيرة التعليم وعن تأكيد البُعد المواطنيّ الذي يميّز الطالب.
الأستاذ الجامعي هو المربّي قبل أن يكون ملقّناً للمادة العلمية، هذا ما كنت أتحدث حوله دائماً مع البروفسور الذي لن يتقاعد. فعلى صعيد الهويّة والانتماء الوطني في لبنان - يقول الأب دكاش - أن الجامعة «قادرة على إعداد الطالب لديـها لفهم أصول الحريّة وقواعدها وشروطها وخصوصاً أنّها أساسيّة بالنسبة إلى التعليم الجامعيّ».
وفي الإطار العلمي الأكاديمي لمؤتمر جنيف 2021 أكّد البروفسور دكاش أن لبنان التعدّدي المتنوّع هو رسالة إلى العالم شرط تفعيل هذا التعدّد والخروج من الأحاديّة والاصطفافات الطائفيّة والعشائريّة إلى رحاب المجتمع الواحد، وبالتالي «ننادي بإذكاء روح الحوار بين الشباب عبر برامج حواريّة تدعو للخروج من الانكفاء على الذات إلى الرحب الأوسع.». ووضعِ «الأصبع على الجرح» حين قال: «الواقع أنّ نزعات متطرّفة وعنيدة في تطرّفها لا تريد أن تدخل باب الحوار وذلك لأسباب أيديولوجيّة أكانت سياسيّة أو دينيّة أم الاثنين معاً».
أمضيت حياتي في وطن عصفت به الحروب، فعاصرتُ مآسيها على مدى نصف قرن وواجهتُها في مؤلفاتي ومواقفي، وبذلتُ الجهود العملية في لبنان والعالم من أجل نشر ثقافة السلام. كما رصدتُ تداعيات النزاعات المسلحة وتفاعلتُ معها على الساحة العالمية من أجل بناء السلام وحقوق الإنسان. واكبني البروفسور الأب دكاش في نشاطاتي العملية في لبنان وخارجه، الأب اليسوعي العامل بنور الفادي وتعاليمه السماوية، فكان مؤمناً أشدّ الايمان بالرسائل السماوية عاملاً بهديها نبراساً علمياً ثقافياً إنسانياً ينير درب السلام، وكان يؤكّد لي - مشجّعاً - انني أسير في الدرب الصحيح لفكر الاعتدال وثقافة السلام، فبادر الى ترشيحي لجائزة نوبل للسلام 2025 وقال «أن إعلان جنيف الدولي لثقافة الحوار الإنساني عام 2015 وضع وثيقة تاريخية ترسم طريقاً نحو مستقبلٍ أكثر إنسانية وعدلاً. هذا الإعلان لم يكن مجرّد بيانٍ دبلوماسي، بل هو صرخة ضمير عالمي في وجه النزاعات والحروب والانقسامات، وهو دعوة إلى جعل الحوار قاعدةً للعيش المشترك وركيزةً للسلام العالمي. ان السلام الحقيقي لا يقوم فقط على القرارات السياسية أو على الاتفاقيات الدبلوماسية، بل يحتاجُ إلى ثقافةٍ تؤسّسه وتدعمه، وإلى إعلامٍ يحميه وينشره بين الشعوب».
الأب دكاش، وفي صورة إنسانية ناصعة، يرى أن الحوار من أجل السلام «ليس ترفاً فكرياً أو خياراً جزئياً، بل هو حاجة إنسانية وجودية، تقوم على الاعتراف المتبادل، والاحترام المتبادل، والسعي المشترك إلى الحقيقة، وإن السلام لا يُبنى بالقوة ولا بالهيمنة، بل بالعدالة والاعتراف بالكرامة الإنسانية لكل فرد».
لقد حملَ البروفسور اليسوعي قيمة الإيمان العلمي في ضميره النوراني حين وجد في «إعلان جنيف الدولي لثقافة الحوار الإنساني عام 2015»:
- أن الكرامة الإنسانية هي مرجع الحوار.
- أن التنوّع الثقافي والديني ليس تهديداً بل غنىً.
- أن الحوار هو التزام ومسؤولية، وليس مجرد وسيلة ظرفية، بل خيار أخلاقي يقتضي شجاعة الإصغاء قبل الكلام، والانفتاح قبل الحكم، والبحث عن نقاط الالتقاء قبل التركيز على الخلاف.
ويعود الأب دكاش مجدّدا الى التأكيد «أن بناء السلام عبر الحوار يبدأ من التربية والثقافة والإعلام. فالجامعة والمدرسة والمنبر الإعلامي والعائلة: كلها أماكن لصناعة ثقافة الحوار. فإذا علّمنا أبنائنا كيف يختلفون دون أن يتخاصموا، وكيف يتنوعون دون أن يتناحروا، نكون قد وضعنا الأساس المتين لمجتمعٍ سليمٍ وأمةٍ موحّدة».
نحن نقف اليوم وغداً الى جانب البروفسور دكاش في قوله ودعوته «القادة والمثقفين والمؤمنين الى وضع الحوار في قلب مشروع لبناني وطني إنساني، لأن بدونه لن يكون سلام، ومعه فقط يُبنى مستقبل الأجيال القادمة، وليكن إعلان جنيف نبراساً يضيء لنا الطريق نحو مستقبلٍ لا يُقصى ولا يُهمّش فيه أحد، بل يجتمع فيه الجميع حول الكرامة الإنسانية والعدل والسلام».
النبراس اليسوعي المتواضع لم يتقاعد، بل ما يزال يعملُ ويفعلُ في مهام علمية وفي مقدمها ادارة الكراسي العلمية في جامعة القديس يوسف التي تُعتبر بوصلةً استراتيجية للعمل الثقافي العلمي العالي، وسيبقى اللبنانيون أوفياء لجهوده العلمية الثقافية التربوية الوطنية: تأصيل للرسالة الجامعية الهادفة التي تجمع بين رهبنة تحمل الوصايا، وقيم علمية معرفية تعلّم الأجيال مسؤولية بناء الوطن والسلام.
فالسلام يبدأ من العقول، وفي العقول فقط يبدأ السلام.

(*) أستاذ جامعي، رئيس المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والأعلام
عميد ركن سابق
dr.alinawad@hotmail.com