كيف نفهم الفقه السياسي الإسلامي؟ ولماذا يجب تطوير صياغته العصرية؟
كلما ذُكر الفقه الإسلامي يتجه الذهن غالباً إلى أبواب العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والحدود، بينما يغيب عن كثيرين أن أعظم مشروع حمله الإسلام منذ نزول الوحي لم يكن مجرد تنظيم علاقة الإنسان بربه وإنما بناء الإنسان ثم بناء المجتمع ثم بناء الدولة وصولاً إلى بناء الحضارة. وهنا يبرز سؤال يستحق التأمّل: هل أنتج المسلمون عبر تاريخهم فقهاً سياسياً يوازي في عمقه واتساعه ما أنتجوه في بقية أبواب الفقه؟ أم أن ظروف الصراعات السياسية وتحوّل الخلافة إلى ملك في مراحل مبكرة ثم عوامل الجمود التاريخي جعلت هذا الباب أقلّ تطوراً من غيره؟
ليس المقصود التقليل من قيمة التراث الإسلامي، فقد قدّم العلماء إسهامات كبيرة في السياسة الشرعية والأحكام السلطانية والقضاء والحسبة والوقف والعلاقات الدولية. لكن العالم اليوم يطرح أسئلة جديدة تتعلق بالدولة الدستورية والمؤسسات والمواطنة وحقوق الإنسان والحوكمة والاقتصاد والإدارة والبيئة والتخطيط العمراني والعلاقات الدولية. وهذه الأسئلة تحتاج إلى اجتهاد متجدّد ينطلق من القرآن والسنّة ويستفيد في الوقت نفسه من العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة.
إن القراءة المتكاملة للقرآن تكشف أن الرسالة بدأت بمفهوم الاستخلاف قبل أن تبدأ بمفهوم السلطة حين قال الله تعالى {إني جاعل في الأرض خليفة}، فالإنسان في المنطق القرآني ليس مجرد متعبّد بل مسؤول عن عمارة الأرض وإقامة العدل والإصلاح، ومن هنا فإن السياسة ليست غاية وإنما وظيفة لخدمة رسالة الاستخلاف.
وعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يبدأ ببناء قصر للحكم، ولم يؤسس سلطة شخصية بل بدأ بتأسيس مجتمع ومؤسسات. كانت أولى الخطوات بناء المسجد الذي لم يكن مكاناً للصلاة فحسب بل مركزاً للتعليم والقضاء والشورى وإدارة الشأن العام. ويلاحظ المؤرخون أن اختيار موضع المسجد ارتبط بموضع برك الناقة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخصص منذ البداية مقراً شخصياً يرمز إلى مركزية السلطة، وهو ما يمكن أن يُقرأ بوصفه مؤشراً على تقديم المصلحة العامة وبناء المؤسسة على الاعتبارات الشخصية والقبلية.
ثم جاءت صحيفة المدينة التي تُعدّ من أوائل الوثائق السياسية في التاريخ الإسلامي لتنظم العلاقة بين مكونات المجتمع المختلفة بتنوّعها الإسلامي وغير أسلامي وتحدّد الحقوق والواجبات وآليات التعاون والدفاع المشترك لكل المكونات. سواء نظرنا إليها بوصفها دستوراً بالمعنى الحديث أم لا، فإنها تكشف عن وعي مبكر بتنظيم مجتمع متعدد المكونات في إطار من المسؤولية المشتركة.
وفي المجال الاقتصادي لم يكتفِ الإسلام بالحديث عن تحريم الربا أو وجوب الزكاة بل عمل على بناء فضاء اقتصادي مستقل وإنشاء سوق للمسلمين، بما يعكس اهتماماً ببناء مؤسسات اقتصادية تحقق العدالة وتحدّ من هيمنة القوى المحتكرة. كما أن مبدأ الشفافية ومنع الغش والاحتكار شكّل جزءاً من المنظومة الأخلاقية والاقتصادية للمجتمع الجديد. وفي المجال الأمني لم يتردد النبي صلى االله عليه وسلم في الاستفادة من الخبرات الإنسانية، كما ظهر في اعتماد فكرة الخندق وهي فكرة لم تكن مألوفة في الجزيرة العربية وإنما اقترحها سلمان الفارسي. ويؤكد ذلك أن بناء الدولة في الإسلام لم يكن قائماً على الانغلاق بل على الانفتاح على الخبرة النافعة ما دامت تحقق مقاصد العدل وحماية المجتمع.
ولعلّ من أهم ما يميّز التجربة النبوية أيضاً أنها أدارت التنوّع الديني والاجتماعي من خلال قواعد تعاقدية واضحة، ولم تبنِ المجتمع على الإقصاء بل على المسؤولية المشتركة واحترام العهود وهو ما يجعل المدينة المنورة تجربة تستحق الدراسة بوصفها نموذجاً في إدارة التنوع لا مجرد مرحلة تاريخية مضت.
وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واجه المسلمون أول اختبار سياسي كبير في اجتماع السقيفة. وقد اختلف المؤرخون والفقهاء في تقييم تفاصيل هذا الاجتماع إلّا أنه يكشف عن أن قضية انتقال السلطة كانت موضع تشاور واجتهاد بين الصحابة ولم تكن مجرد إجراء شكلي. ومن هنا تبرز قيمة الشورى باعتبارها مبدأً مؤسساً مع بقاء آليات تطبيقها مجالاً للاجتهاد وفق ظروف كل عصر. كما أن موقف الخليفة عثمان بن عفان في الحفاظ على وحدة المصحف يمثل نموذجاً لتقديم المرجعية الجامعة على المصالح الشخصية وهو ما يبرز أهمية وجود مرجعيات دستورية وقانونية تحفظ وحدة المجتمع وتمنع تغليب الأهواء والانقسامات. وهنا يبرز سؤال جوهري، لماذا لم يتطور الفقه السياسي الإسلامي بالقدر نفسه الذي تطورت فيه بقية أبواب الفقه؟
قد تكون الإجابة مركبة، فالصراعات السياسية المبكرة وتحوّل أنماط الحكم والظروف التاريخية، جعلت كثيراً من الجهد الفقهي يتجه إلى معالجة الوقائع القائمة أكثر من بناء نظرية متكاملة في الدولة والمؤسسات. كما أن العلوم الاجتماعية والسياسية بصورتها الحديثة لم تكن قد تشكّلت بعد، الأمر الذي يجعل من الطبيعي أن يحتاج الفقه السياسي اليوم إلى حوار مع هذه العلوم دون أن يفقد مرجعيته القرآنية الحقيقيّة البعيدة عن تراكم الموروث.
إن تطوير الفقه السياسي الإسلامي لا يعني القطيعة مع التراث بل يعني العودة إلى منطق الرسالة الأول واستلهام التجربة المدنية، ثم الاستفادة من منجزات البشرية في بناء المؤسسات والحوكمة والإدارة العامة وعلم الاجتماع والاقتصاد والقانون الدستوري والتخطيط الحضري والسياسات العامة.
فالفقه السياسي المعاصر ينبغي أن يناقش قضايا مثل بناء المؤسسات واستقلالها، سيادة القانون، الشورى وآليات المشاركة السياسية، المواطنة والحقوق والواجبات، الإدارة الرشيدة ومكافحة الفساد، الاقتصاد المنتج، العدالة الاجتماعية، حماية البيئة والصحة العامة، التخطيط العمراني، إدارة التنوّع، العلاقات الدولية وبناء السلام. إن هذه القضايا ليست غريبة عن الإسلام بل تمثل امتداداً لمقاصد الشريعة في حفظ الإنسان والعمران وتحقيق العدل. ومن هنا يصبح الفقه السياسي الإسلامي أقرب إلى «فقه البناء الحضاري» منه إلى مجرد فقه السلطة. فهو لا يسأل من يحكم؟ بل يسأل كيف تُبنى الدولة؟ وكيف تُدار المؤسسات؟ وكيف تُصان كرامة الإنسان؟ وكيف يتحوّل المجتمع إلى شريك في صناعة الحضارة؟
وفي هذا السياق تكتسب التجربة اللبنانية أهمية خاصة، فلبنان الذي ارتبط باسم الإمام الأوزاعي يملك رصيداً فكرياً وتاريخياً يمكن أن يساهم في بلورة قراءة معاصرة للفقه السياسي الإسلامي تقوم على العدل والوسطيّة واحترام التنوّع وبناء المؤسسات وسيادة القانون. إن لبنان بما يحمله من تعددية دينية وثقافية ليس بحاجة إلى إعادة إنتاج صراعات الماضي بل إلى استلهام منطق المدينة المنورة في بناء مجتمع يقوم على العقد والمسؤولية المشتركة ومنهج الإمام الأوزاعي في تغليب العدل والإنصاف والإستقلاليّة الفكريّة ومعاييرها العلميّة والقيميّة، مع الإفادة من منجزات الدولة الدستورية الحديثة والعلوم الاجتماعية المعاصرة.
ولعلّ الرسالة التي يحتاجها لبنان اليوم ليست إقامة دولة طائفة ولا دولة محاصصة بل بناء دولة مؤسسات راعية، يكون الإنسان فيها محور التنمية والعدل أساس الشرعية والعلم أساس النهضة والعمران غاية السياسة.
عندها يمكن أن يستعيد لبنان دوره التاريخي لا باعتباره ساحة لصراعات الآخرين بل بوصفه بلداً للرسالة، وحاضنةً لحوار الحضارات ومنصةً لإنتاج فقه سياسي معاصر يعيد وصل القرآن بالإنسان والرسالة بالعمران والدولة بالكرامة، ويجعل من الاستخلاف مشروعاً دائماً لبناء الإنسان والمجتمع والحضارة.






