مع اقتراب موسم الحج والأعياد.. المفتون يطالبون بالاستفادة من بركة هذه الأيام
حجم الخط
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، لقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم : «بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا»..
والحج فريضة العمر وهو ذلك المؤتمر الإسلاميّ العالميّ الذي يأتي إليه المسلمون من كل بقاع الأرض، وفيه يعاهِد المسلم ربَّه على السير لتحقيق هدف الإسلام في الأرض وعلى الطاعة والإخلاص لتكون حياته كلها لله تعالى.
فالحج مدرسة تربوية عظيمة ودورة تدريبية سنوية يدخلها المسلم مرة في العمر على الوجوب ليتلقى فيها دروساً في الطاعة البدنية والإنفاق المالي والتنظيم والإدارة مما يكون له الأثر العظيم على مستوى الفرد والجماعة، ولذلك قال تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}، فلفظة المنافع تشمل وجود المصلحة كلها المادية والمعنوية من عبادة وعلم ولقاء بالأحبة وتبادل خبرات في السياسة والاقتصاد والإعلام.
ولكن يبقى السؤال الأساس هو... كيف يكون إستعداد المسلم لهذا الموسم سؤال طرحناه على بعض مفتي لبنان وكانت إجاباتهم كالتالي:
المفتي الميس
{ بداية قال مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل الميس: أولا إن تسمية الأشهر القمريّة تبدأ بمحرّم وتنتهي بذي الحجة، إيذاناً بإن المسلم يحرم بأول العام ويحجّ في آخره، وبأمر قدّره الله أن تختتم الأشهر القمريّة بذي الحجة ليبدأ بمحرّم، هذه حياتنا ما إن نتحلل حتى نحرم، وأيضاً أن من يفصل ذي الحجة عن شهر رمضان هو شوّال وذو القعدة، وكأن في قول الله تعالى عن رمضان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، لنهيئ أنفسنا لأداء فريضة الحج، وهي كما نعلم فريضة العمر، وكل المسلمين يتوجهون يومياً إلى الكعبة المشرّفة خمس مرات لأداء فريضة الصلاة ولكن ما يتوجهون إليه بعقولهم وقلوبهم لا بد أن يتوجهوا إليه بأجسادهم بالعمر مرّة إلى المكان الذي شاءه تعالى أن يكون بيته المحرّم وأن يكون نقطة اللقاء بين الأرض والسماء، إذن المطلوب من كل مسلم ومسلمة أنه ما إن ينهي فريضة الصيام، حتى يتهيأ لأداء الحج وكأن في التاريخ تحتاج إلى شهرين للتحضيّر لأداء فريضة الحج وهكذا عندنا الأسلام، فريضة تسلّم فريضة وما إن ننتهي من فريضة حتى نسعى في فريضة أخرى عملاً بقول الله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}.
المفتي دلة
{ بدوره قال المفتي حسن دلة: العبادات قضاؤها معروف في الإسلام منها ما هو يومي كالصلاة ومنها ما هو أسبوعي كصلاة الجمعة ومنها ما هو سنوي كصوم رمضان وإيتاء الزكاة وتبقى عبادة العمر كله وهي عبادة الحج، وأداء مناسك الحج، هذ الفريضة العزيزة التي تجمع في أدائها وفي تلبيتها العبادة المالية والعبادة الجسدية فرضها الله على المستطيعين إليها سبيلا وفي العمر مرّة فإذا ما أدّيت هذه العبادات جميعها ماذا يبقى للعبد منها إذا أخلص في عمله وصدق في قوله واستقام في مسلكه، هذه العبادة العظيمة التي فرضت في ديننا ليلتقي فيها من كل بقاع الأرض ومن كل الألوان والأجناس والأعراق في فريق واحد يلتقون ويتشابهون في المظهر فكلهم محرمون وبالنداء فكلهم يلبّون، وبالآمال فكلهم يطلبون رحمة ومغفرة وثواباً من الله جلّ جلاله، تلتقي هذه الأمة التي أخرجها الله وكانت خير الأمم {كنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّه»، نحن على أبواب هذه الفريضة، نحن نعيش في أيام ذو القعدة وبعده ذو الحجة، حتى إذا ما إقتربت هذه الأيام وإقترب الوقت لأداء هذه الفريضة بدأ المسلمون يستعدّون ويتهيأون حتى يذهبوا إلى تلك البقاع يريدون أن يتنفسّوا بهواء تنفّس فيه محمد صلى الله عليه وسلم كي يعيشوا تلك اللحظات في تلك البقاع الطاهرة حول بيت الله الحرام، هذه العبادة وهذه الفريضة يتهيأ المسلم في أدائها بما يليق بها لذلك يقول أحد الصالحين: «إن من عقد الحج نواه ولم يفسخ بهذا العقد كل عقد يخالفه فكأنه لا عقد الحج ولا نواه، وإن من تجرّد من ثياب الإحرام ولم يتجرّد بهذا التجرّد من المعاصي فكأنه ما تجرّد من ثيابه للإحرام، وأن من صافح الحجر الأسود فلم يشعر بالطمأنينة في نفسه فكأنه ما صافح الحجر الأسود».
فالمسلمون اليوم يبدأون بالأستعداد للحج للتوجه لبيت الله الحرام فينظرون إلى الكعبة، هذا الحرم الإلهي الذي يحقق الوحدة والعدالة بين المسلمين جميعاً على إختلاف ألوانهم ولغاتهم.
المفتي الصلح
{ أما مفتي بعلبك الشيخ خالد الصلح فقال أن الإنسان يتهيأ لموسم الحج نفسيّاً بقطع القلب والنفس عن الثوابت الدنيوية وأن يعمل على ترك الإرتباط الشديد عن كل ما يحيل ما بينه وبين المغريات في الحياة، كما يتهيأ فكرياً عبر نوع من المقاربة الفكرية ما بين الانقطاع الجزئي عن الحياة للحج والإنقطاع الكلي عن الحياة للموت، ففي الحالتين ارتحل الإنسان، الإرتحال الأول بعون أما الإرتحال الثاني فبلا عون، ومن خلال هذه التجربة العقلية والفكرية على تغيير نمط الحياة والانتصار على كل العلاقات والمغريات الدنيوية، وإن الإنقطاع الجزئي عن الحياة سيكون بمثابة مدرسة بعدّة أبعاد يستطيع الحاج من خلالها ان يكون خريجاً روحياً واخلاقياً وابدياً ولا شك ان هذا الذي نطلبه يتعلق بمرحلة ما قبل الحج، ولكن الحج في ذاته مدرسة أخرى، يستطيع الإنسان من خلالها أن ينخرط بتجربة روحية وعقلية تؤهله بمستويات إنسانية عُليا لأن الله سبحانه وتعالى قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}.
مختتما بالقول أن الإنتصار في هذه الجبهات الثلاث يعد إنتصاراً كلياً لإنسانية الإنسان ومستوياته الروحية، وهنالك أيضا الخبرة التي سيكتسبها الحاج باستشعار المساواة الكليّة مع الحجيج فلا إمتياز هناك ولا مراكز ولا طبقيّة بل هي العبودية المطلقة حيث يتنحّى اللون والجنس والعرق والمستوى الإجتماعيّ وتتجلى بصورة مطلقة عند كافة الحجيج العبودية المطلقة.
منى توتنجي






