بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 آذار 2021 12:00ص من قوانين القرآن الكريم.. قانون الاستدراج

حجم الخط
د. محمد قاسم المنسي*


من قوانين الله تعالى في البشر الاستدراج، وتدور معاني كلمة الاستدراج بين الأخذ بالتدريج درجة ثم درجة أو منزلة بعد منزلة، وقد يكون الاستدراج صعودا أو هبوطا، وقد يكون المراد بها الإمهال وعدم المفاجئة بالأمر.

وقد ورد قانون الاستدراج في قوله تعالى {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}.. ومعنى الآية أن الله تعالى يستدرج الكفرة و العصاة بأن يرزقهم الصحة والنعمة، ويجعلون رزق الله وسيلة الى الإكثار من الكفر والمعاصي، وهم لا يعلمون أن في ذلك استدراجا لهم.

ومما قد يساعدهم على هذا التفكير أن الله تعالى يعاملهم بالامهال، فلا يعجّل لهم بالعقوبة كما في قوله تعالى {وأملي لهم} وحكمة الله في هذا الامهال هو أن يزدادو إثما، ولكنهم يفهمون الامهال على انه إرادة الخير والإكرام لهم.

وهذا هو الاستدراج حيث بسط الله لهم في الرزق والنعم، فقابلوا ذلك بالمعاصي والكفر بنعمة الله، فزادهم الله من نعمه، فحسبوا أن هذا تكريما لهم وقبولا بأعمالهم، ولكن ذلك - في الحقيقة - كان كيداً من الله وتدبيرا واستدراجا لهم، وكان هذا الاستدراج سببا للوقوع في الهلاك وذلك في قوله تعالى: {إن كيدي متين} للدلالة على ان هذا الاستدراج لا يقوى أحد على دفعه أو مخالفة نتائجه.

كما ورد قانون الاستدراج أيضا في قوله تعالى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.

ففي هذه الآيات ظهر قانون الاستدراج في قوله تعالى {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}، والمراد أن الأرزاق والخيرات والنعم أحاطت بهم من كل جانب {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا} من الأرزاق والأموال والأولاد {أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً} من دون إنذار {فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} أي يائسون من كل خير أو نجاة {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي أن الله تعالى أستأصلهم ولم يترك منهم أحداً، وخلّص الأرض منهم ومن معتقداتهم الفاسدة، وأعمالهم الخبيثة.

فرصة التذكّر والتصحيح

ومن ذلك نستنتج أن قانون الله في استدراج الإنسان فرداً كان أو مجتمعاً، ألا يعاقبهم على ذنوبهم بعد ارتكابها مباشرة وإنما يمنعهم ليعطيهم فرصة التذكّر والإفاقة وتصحيح المسيرة ثم يمتحنهم الله فيوسّع عليهم في الأرزاق والخيرات، ويعطيهم ما يتمنّون من النعم على وجه الاستدراج لهم، وبدلاً من أن يقابلوا نعم الله تعالى بالشكر عليها إذا بهم يقابلونها بالمزيد من المعاصي والذنوب، وهنا ينطبق عليهم هذا القانون، فيأتيهم الهلاك بسبب أعمالهم وتصرفاتهم المسيئة، ولهذا بموجب هذا القانون ينبغي على الإنسان ألا يغتر بنعم الله تعالى عليه، بل يخاف على نفسه من أن يكون استمرار النعم والعطايا الإلهية من باب الاستدراج وليس من باب التكريم والإنعام.

وهذا من الغيب الذي كشفه القرآن الكريم للإنسان إنه اخبار من الله تعالى بحقيقة ما يصيب الناس في هذه الحياة من التوسعة عليهم في الأرزاق والخيرات، إذ يظن الإنسان أن هذه التوسعة من الله كرامة له، مع أن الأمر بخلاف ذلك، فهذه التوسعة من باب الاستدراج وليس الاكرام أو الانعام.

وهنا يأتي السؤال المهم: كيف يتجنّب الإنسان الوقوع في الاستدراج، طالما أن ذلك قانوناً من قوانين الله؟

إن المدخل الذي ذكره القرآن للاستدراج هو النعم التي ينبغي على الإنسان أن يقابلها بالشكر والعرفان والامتنان والتواضع وعدم الأغترار بالنعم، فكل نعمة يسوقها الله للإنسان يجب أن تقابل بطاعة جديدة وشكر جديد، فإذا غفل عن الشكر فهو مقصّر وغافل، يخشى عليه من أن ينزلق إلى طريق الاستدراج، أما إذا قابل النعمة بالمعصية والجحود والنكران، فإنه يكون قد دخل في دائرة الاستدراج.

ولذلك كان بعض الصالحين يخشون على أنفسهم الاستدراج، إذا توالت عليهم النعم، مع احتمال تقصيرهم في شكرها، فيكون ذلك علامة على الاستدراج، وقد روي عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لما حملت إليه كنوز كسرى انه قال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً فإنى أسمعك تقول (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون).

ولهذا كله ينبغي على الإنسان (فردا أو مجتمعاً) ألا يغترّ بنعم الله عليه وأن يخاف على نفسه من أن يكون استمرار النعم عليه من باب الاستدراج وليس من باب الإكرام والإنعام والذي يساعد في فهم حقيقة الأمر هو إنما هو أسلوب الإنسان عندما تتوالى عليه النعم، فإذا قابل النعم بالشكر والمقصود هنا شكر المنعم.

والقيام بحق النعم عليه من وضعها في مكانها الصحيح واستعمالها فيما يرضي الله فإن النعم في هذه الحالة تكون من باب الإكرام والانعام وليس الاستدراج، وأما إذا قابل النعم بالغرور والاستكبار وإرتكاب المعصية فإن ذلك يكون من باب الاستدراج وليس من باب الإكرام كما يظن بعض الناس.



* أستاذ في كلية دار العلوم - جامعة القاهرة