بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 أيار 2026 12:00ص هل انغمسنا في الماضي وأحداثه حتى غفلنا عن حسن بناء المستقبل..؟!

حجم الخط
من يقرأ كتاب الله تعالى بعين التدبّر، تقع ناظراه على آيات عديدة تدعو للتفكّر في أحداث الماضي وللتأمّل فيها، كقوله تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}، وكقوله أيضا {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، وهذا البُعد أكدته أيضا أحاديث النبي صلى االله عليه وسلم، كقوله (كتابُ اللهِ، فيه نبأُ ما قبلكم، وخبرُ ما بعدكم، وحُكمُ ما بينكم...) إلى آخر الحديث..
ولكن هذا الهدي النبوي الشريف في ضرورة حسن مذاكرة التاريخ البشري وأحداثه لم يكن المقصود منه التاريخ لذاته، وإنما المقصود الأول منه هو التعلّم الواعي من هذه الأحداث بما يؤهّلنا لحسن بناء المستقبل، وهذه هي الكارثة التي وقعنا فيها في لبنان، ولا أريد هنا بالكلام هنا الناحية السياسية، ولكن أقصد الناحية العلمية والفقهية والدعوية فحسب.
ففي بلدنا لبنان.. الملايين من المسلمين الذين يتعاملون مع الماضي بمختلف أحداثه وأنبائه وكأنه سجن محكم الأسوار، ولذلك ما أن وصلوا إليه - بعلمهم أو بجهلهم - حُبسوا فيه، وباتوا أسرى لسجّانين (ارتدوا بعض العمائم) وراحوا يتحكمون بالعامة كيفما يشاؤون، تارة باسم الدين.. وتارة باسم التاريخ.. وتارة باسم الإنصاف.. وتارة باسم الفقه.. مع الإشارة الأكيدة إلى أنه في (التارات) كلها الهدف الأساس هو مصلحة (السجانين) الذين أتقنوا لعبة (تدوير زوايا التاريخ) لتحقيق مآربهم الخاصة، والوسيلة الأبرز هي جموع الأتباع، ولذا رأينا التناقضات الواضحة تمارس جهارا أمام أعيننا، ولكننا لم نتعلم أو ربما.. لا نريد أن نتعلم..؟!

التعكير المقصود للحاضر

واسمحوا لي أن أعود إلى صلب الموضوع فأقول إن هذا (الانغماس السلبي) في التاريخ وأحداثه قد عكّر مياه الحاضر حتى تلوثت عقولنا وباتت عاجزة عن أي عمل يصلح فسادا.. أو يغيّر منكرا.. أو يثبت صلاحا.. أو يقدّم جديدا نافعا.. ولذا رأينا أيامنا متشابهة، يومها كأمسها.. وأمسها كغدها.. لا اختلاف بينها سوى في (أوراق الروزنامة)، أما في مجال العطاء البنّاء والعلم النافع فنحن صفر، بل (أصفار على الشمال) لا قيمة لها وإن كثر عددها..؟!
انظروا أيها السادة بعين الحق إلى الساحة الدعوية في لبنان..
من هي الشخصيات البارزة القادرة على إحداث تغيير علمي وفقهي إيجابي في المجتمع..؟!
وما أسماء العلماء الذي باستطاعتهم تحريك الساحة الدعوية نحو الأمام..؟!
بل ومن هم الدعاة الذين يدعون إلى الحق انتماء له، لا إلى الجمعية الفلانية أو الجماعة العلانية..!؟
ثم بعد ذلك وسِّعوا دائرة النظر.. وانظروا إلى المجتمع وأحواله وآلامه ومشاكله، هل من داعية أو عالم أو فقيه له دور بنّاء في هذا المجتمع..؟!
حتى في ميدان الدعوة والأمور الدعوية، هل من مواكبة دعوية صحيحة ملحوظة لمجريات الأيام في مجتمعنا لتكون دليل الناس في هذه الأزمنة النحسة التي تمرّ علينا..؟!
إني أنظر إلى الواقع في مجتمعا في مختلف الساحات فلا أجد إلى التقليد والنقل السيئ واجترار الماضي، في الدروس وفي الخطب وفي الندوات وحتى في الدراسات الجامعية وما يقدّم فيها من رسائل وأطروحات، كلام مكرر أجوف لا يغني ولا يسمن من جوع، حتى ما يواكب الحاضر من هذه الكلام إنما يقال من باب (إثبات القول) وليس من باب حسن البناء للمستقبل.
ولذا نرى الناس بغالبيتهم قد فرّوا من (كلام المشايخ)، وفقدوا تفاعلهم من خطب الجمعة، وأسقطوا الثقة عن معظم المعمّمين، لا لسوء نيّة في نفوس الناس، بل لعدم الأهلية عند كثير من المعمّمين..!؟
وزاد الطين بِلّة - بكسر الباء كما يقول علماء اللغة - حين تخاصم هؤلاء المعممون فيما بينهم، واحتمى كلٌ بجماعته أو جمعيته أو اتحاده أو أيا ما كانت التسمية، فتفرّقت جهودهم شبه المعدومة أصلا، وتشتّت فعاليتهم، وتلاشت كلمتهم، وتحوّل الكثير منهم إلى الدفاع الخاص عن جماعته، فأصبحنا في حال نهانا الله تعالى عنها حين قال {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}.. وفي خضم كل ما سبق، نسي هؤلاء جميعا أن في المجتمع أجيالا لا بد أن نبني لهم المستقبل الذي يفخرون فيه بأسلافهم (الذين هم نحن)، وأن من واجبنا زراعة بذور الحاضر حتى يحصدوا ثمار الغد الطيبة، وأن هذه البذور منها العلمي ومنها الدعوي ومنها الفقهي و.. وإن لم نفعل كنا جيلا عاقا بحق أولاده وبحق أحفاده وبحق أمته وبحق دينه.. فهل أصبحنا عاجزين إلى هذه الدرجة..!؟

أي مستقبل نريد؟!

تعالوا أيها السادة لنبني معا قصة افتراضية..
طفل مسلم لبناني يبلغ من العمر اليوم 4 أعوام.. مرّت عليه السنوات في هذا الواقع المأزوم من كل النواحي حتى كبر وصار رجلا في أربعينات العمر، ثم أراد أن ينظر إلى ماضي مجتمعه ليرى ما الذي قّدم له من جهد الأسلاف، فما الذي سيراه..؟!
من هو الشيخ الذي سيذكر أنه تعلّم من دروسه أو خطبه ويقول إنه كان حرّا يقول الحق دون تبعية مقيتة لجمعية أو لجماعة..!؟
ومن هو الداعية الذي سيكون قد أثّر فيه وأرشده إلى الصواب في فترة صباه..!؟
وما هي الندوات التي حضر فعالياتها فبقيت في ذاكرته..!؟
وما الأحداث التي عاشها وشهد فيها على مواقف رجال..؟!
وما التاريخ الفقهي والدعوي الذي سيجده بين يديه عندما يكبر..!؟
وما الذكرى الإيجابية التي حفرت في نفسه وأصلحت مفاهيمه..؟!
وما الأعمال التي بنيت والمؤسسات التي عملت في (ماضيه) وهو يعيش في آثارها (مستقبلا)..!؟
بل أقول أكثر من ذلك.. إذا نشأ هذا الطفل وكبر أراد في المستقبل أن يقدم دراسة جامعية مثلا بعنوان (تاريخ الفتاوى الفقهية في لبنان خلال خمسين سنة مرَّت).. ما الذي سيجده..؟!
أيها السادة..
دعونا نعترف إننا في لبنان قد غرقنا في وحول الماضي بدل أن نسنتشق عطر وروده، وإننا حبسنا أنفسنا في سجونه بدلا من أن نحسن التعلّم منه، وإننا (سوّدنا) حاضرنا بأيدينا بدلا من أن نعمل لصناعة المستقبل، ولذا ما زلنا نتراجع كل يوم بينما العالم من حولنا يتقدّم..
نختلف على موضع القدم في الصلاة حتى ما عاد لنا موضع قدم في ركب الحضارة الإنسانية..!؟
ونتعارك على كل أمر فقهي وإن كان اجتهاديا، حتى فقدنا القدرة على الاجتهاد وصرنا إمعات..!؟
أما الغد .. المستقبل الذي سيعيش فيه أبناؤنا وأحفادنا، فصدّقوني نحن عالة عليه، تماما كما نحن عالة على حاضر لم نقدم فيه إلّا الاختلاف والأنانية والتراجع، فخسرنا من كل النواحي، لا نحن ابتغينا الدار الآخرة في أعمالنا ولا نحن أحسنّا استثمار نصيبينا من الدنيا..
أيها السادة.. إن لم نتحرك ونعمل بقوله تعالى {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} فنحن عمي.. والخوف كل الخوف أن نبقى عمياً..؟!

bahaasalam@yahoo.com