د. محمد قاسم المنسي*
المراد بالأعمال هنا كل ما يقوم به العبد في حياته من عبادات أو معاملات أو أعمال دنيوية، يبتغي بها أن ينال رضا الله تعالى في الدنيا والآخرة، ومن ثم جاء القانون القرآني الذي يحدد الأعمال المقبولة وغير المقبولة عند الله تعالى حتى يتحرك العبد في دائرة الأعمال المقبولة ويبتعد عن دائرة الأعمال غير المقبولة.
وهذا القانون (قانون قبول الأعمال) مستمد من عدة آيات في القرآن الكريم تحدث بعضها عنه بصورة مباشرة، وتحدث بعضها الآخر بصورة غير مباشرة.
أما حديث القرآن عن قبول الأعمال بصورة مباشرة فقد ورد في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.
وأما حديثه بصورة غير مباشرة فقد ورد فيها قوله تعالى: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا}.. {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}.. {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ}.
وهكذا عنى القرآن الكريم ببيان قبول الأعمال حتى يحرص الإنسان على ألا يعمل فقط وإنما أن ينال شرف قبول العمل الذي تقرّب به إلى الله تعالى طمعا في فضله وكرمه.
ومن ثم لفت القرآن الكريم النظر إلى ما كان من شأن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، عندما كانا يقومان برفع قواعد الكعبة، فقال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} «البقرة 127».
فقد أبرزت الآية حرص إبراهيم وإسماعيل على إدراك القبول من الله لما يقومان به من عمل، وهذا شأن العابد، يريد أن يطمئن إلى أن عمله حظي بالقبول.
قصة ابني آدم
وفي قصة ابني آدم جاء قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} «المائدة 27».
وقد ورد في تفسير ابن كثير: «أن ابني آدم اللذين قرّبا قربانا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر، كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، وأنهما أمرا أن يقرّبا قربانا، وأن صاحب الغنم قرّب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وأن صاحب الحرث قرب شر حرثه غير طيبة بها نفسه، وأن الله عزّ وجلّ تقبّل قربان صاحب الغنم ولم يتقبّل قربان صاحب الحرث».
وإذ تقبّل الله قربان أحدهما فقد غضب من لم يقبل قربانه وحسد أخاه لقبول قربانه دونه.
وروى عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال: «كونوا لقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل. ألم تسمعوا قول الله تعالى {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}».
وروي أيضا عن أبي الدرداء أنه كان يقول: لئن أستيقن أن الله تعالى قد تقبّل مني صلاة واحدة أحب إلى من الدنيا وما فيها لأن الله يقول {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.
الشروط
هناك شرطان أساسيان لقبول العمل من الله تعالى هما:
الأول: الإخلاص للّه تعالى، ومعنى ذلك أنه لكي يقبل العمل لا بد أن يقوم به صاحبه لوجه الله تعالى وابتغاء مرضاته وليس لأي غرض آخر، وذلك لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.. {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً}.
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى..).
وهذه مسألة بين العبد وربه إذ الإخلاص في القلب، والقلب لا يطلع عليه، ولا يعرف ما يدور فيه إلا خالقه، لذا كان الإخلاص من أهم شروط قبول العمل، يؤكد ذلك الحديث القدسي الذي جاء فيه بخصوص قبول الأعمال والتوجه بها إلى الله: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) رواه مسلم. ومعنى الحديث (أنا غني عن أن يشاركني غيري، فمن عمل عملا لي ولغيري لم أقبله منه، بل أتركه لذلك الغير).
الثاني: موافقة العمل لمقتضى الشرع، إذ لا يقبل العمل الذي جاء مخالفا للشرع، لأنه لا يتصور أن يتقرّب العبد إلى الله بعمل فيه معصية للّه.
ومن ثم كان من الطبيعي أن يكون أحد شروط قبول العمل ألا يكون فيه مخالفة لما أمر الله به أو نهى عنه، إذ لا يعبد الله تعالى إلا بطاعته وترك معصيته.
المعيار
وهكذا يحدد هذا القانون (المعيار) الذي تقبل به أعمال الإنسان عند الله كي يحاسب نفسه ويجاهدها ليخلّصها من سائر الأغراض والمقاصد التي تحيط بالإنسان وهو يعمل في هذه الحياة، وحتى تكتمل صورة العبادة عنده بأن يتجه بأعماله كلها إلى وجهة محددة، وفي الوقت نفسه يلفت القرآن النظر إلى موازين قبول الأعمال، لكي يتم تحسين وتطوير أعمال الإنسان بما يرفع درجته وشأنه ويحقق له التميّز في الأداء والنتائج.
ومن ثم فإن ما نخرج به من هذا القانون هو أن نحدد الجهة التي ينبغي علينا أن نتجه إليها، عندما نعزم على العمل أو نشرع فيه، كي نحظى بالقبول الأعظم وهو من الله تعالى، فذلك القبول - عندما يشعر به العبد - يكون أحب إليه من الدنيا وما فيها، ويكون علامة على الفلاح التام والفوز المبين.
* أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم