مقدّمة: صدمة التجميد واستراتيجية الاحتواء العثماني في ولاية بيروت
في هذا الجزء، نتناول حقبة التجميد العثماني والدمج البلدي لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية إثر قرار الوالي حمدي باشا عام 1882؛ حيث لم يكن حلّ هيئتها الإدارية مجرد إجراء روتيني، بل طعنة للمشروع النهضي الأهلي بعدما وجست الآستانة خيفة من الالتفاف الشعبي حول مؤسسة أوجدت بديلاً تعليمياً واجتماعياً مستقلاً، ورأت في إدارة البيارتة لشؤونهم نواة «لامركزية» تهدد نفوذها السياسي. وسنقف في هذه المحطة عند دور «حراس الأوقاف» الذين صانوا إرث الجمعية وأصولها في أحلك الظروف، ليشكلوا بجهودهم ممهدات الانبعاث الثاني للمقاصد.
• الدمج البلدي: السطو الممنهج على جغرافيا المدارس
بصدور قرار الحل والتعطيل القسري، صودرت كافة سجلات الجمعية وملفاتها الدفترية المحاسبية، وجُمّد نظامها التأسيسي الرائد المستمد من كتاب «الفجر الصادق»، وأُلحقت مدارسها وممتلكاتها وأصولها قسراً بإدارة «المجلس البلدي» لمدينة بيروت، لتنتقل لاحقاً إلى وصاية «دائرة المعارف» الرسمية.
توقف دور الجمعية المستقل امتد ستة وعشرين عاماً كاملة، من 1882 إلى 1908 وهي حقبة مظلمة وقاسية تمثّلت في مصادرة الإنجازات الميدانية الكبرى التي حققها عهد الرئيس حسن محرم بجهد دؤوب طوال سنوات ولايته.
لم تكتفِ السلطة بتغيير الإدارة والوصاية القانونية فحسب، بل عمدت إلى تبديل المناهج الدراسية وإفراغها من مضمونها النهضي التنويري والعربي الأصيل، واستبدلت بنخبة المعلمين والعلماء الأكفاء المستقلين معلمين آخرين يدينون بالولاء التام للمركزية العثمانية، دون مراعاة لخصوصية البيئة البيروتية وطموحاتها المعرفية الفريدة.
ومما يستحق الوقوف عنده أن السلطة العثمانية أوقفت أيضاً البعثات الطبية المتجهة نحو مدرسة «القصر العيني» الشهيرة في القاهرة لتخريج الأطباء البيروتيين.
• حراس الأوقاف والذاكرة في الظل: المقاومة الأهلية الصامتة
أمام هذا البطش الإداري والتغوّل السلطوي العثماني، لم ينكفئ البيارتة على أنفسهم ولم يستسلموا لسياسة الأمر الواقع، بل انتقل العمل المقاصدي بذكاء شديد وحنكة إدارية من علنية الميدان والافتتاح المشهود إلى سرية «الظل» والكفاح الاجتماعي الصامت. تطوّعت نخبة من كبار أعيان المدينة وتجارها وعلمائها وحراس أوقافها لإنشاء شبكة مقاومة أهلية صامتة وفعالة لحماية ممتلكات الجمعية من الضياع التام.
أدرك هؤلاء الرجالات الأوفياء أن المعركة الحقيقية الوجودية في تلك المرحلة باتت معركة الحفاظ على «الأصول العقارية والذاكرة المؤسسية»؛ فإذا كانت إدارة المدارس قد صودرت قسراً، فإن الأوقاف العقارية والأراضي والدكاكين والبساتين التي وهبها المحسنون الأوائل يجب ألا تبتلعها مالية الدولة العثمانية.
كان حراس الذاكرة يدركون بوعيهم التاريخي أن الحفاظ على الأوراق الرسمية المكتوبة وسجلات الواردات القديمة هو صون لـ«شرعية العودة».
• سلاح المقاطعة المالية: تجفيف منابع المجلس البلدي
استخدم المجتمع البيروتي بمختلف فئاته سلاح المقاطعة المالية الممنهجة والتوقف الجماعي عن دفع التبرعات والزكوات للمدارس بعد مصادرتها ووضعها تحت الوصاية العثمانية والمجلس البلدي عام 1883، موجهين رسالة حاسمة بأن أموالهم لن تُدفع إلّا لـ «جمعية المقاصد» المستقلة ومنتخبيها؛ الأمر الذي تسبب في عجز مالي خانق وتدهور للبنية التعليمية للمدارس، مما أجبر السلطة العثمانية في النهاية على الإذعان والاعتراف بضرورة إعادة الجمعية لأصحابها عام 1908 بعدما أيقنت بفشل قراراتها الفوقية في إجبار الأهالي على تمويل مؤسسة سُلبت استقلاليتها.
• قادة التغيير في حقبة الظل
- الشيخ عبد الرحمن الحوت:
لم يكن الشيخ عبد الرحمن الحوت رئيساً رسمياً في عهد الجمود، بل كان الضمانة الروحية والشرعية للمقاصد في أدقّ مراحل تجميدها. وبصفته مديراً للأوقاف الإسلامية ونقيباً لعلماء بيروت، تحوّلت عمامته وزهده المشهود إلى مظلة حامية لكل منشأة مقاصدية مرئية أو خفية. بفضل نفوذه الديني والمعنوي الطاغي لدى عامة البيارتة وخاصتهم، قاد الشيخ عبد الرحمن معركة تثبيت حجج الأوقاف الشرعية ورفض بتصلب مبدئي مستند إلى الفقه إخضاعَ العقارات الموقوفة للمقاصد لأهواء الدائرة البلدية المعيّنة.
- سليم علي سلام (أبو علي):
لم يكن سليم علي سلام رئيساً تالياً لعهود تجميد، بل هو المنقذ الفعلي الذي انتشل الجمعية من وصاية دائرة المعارف العثمانية. فمع إعلان الدستور العثماني عام 1908، أصدر مجلس إدارة ولاية بيروت قراراً تاريخياً بتجديد الاعتراف بجمعية المقاصد، وأُعيد نقل الأملاك والمدارس إليها من دائرة المعارف. جرى على الفور انتخاب ثلاث لجان لإعادة تنظيم المرفق الأهلي، ضمّت رجالات بيروت الأوفياء: أحمد مختار بيهم، وحسن طبارة، وعمر الداعوق، والشيخ عبد الرحمن الحوت.
- يتبع في الجزء السادس: المقاصد في مهب الانتداب الفرنسي.. معركة الدستور الجديد وصون الهوية