23 أيار 2026 12:00ص «مواكب النور في دروب الهلاك: ذاكرة الحج قديماً» (7)

المناسك ومكة: أشواق الروح في رحاب البيت العتيق

حجم الخط
كانت رحلات الحج عبر مرّ التاريخ الإسلامي ملحمة إنسانية وإيمانية كبرى، مليئة بالقصص المعطّرة بعبق الذكريات المحزنة والمفرحة على السواء، حيث كان الحجاج يواجهون مشاق الجوع المخيم والعطش الحارق، ويتعرضون للأوبئة والأمراض الفتاكة التي كانت تحصد الأرواح في تلك القفار دون إنذار.
ولنا أن نتأمّل، مع حلول موسم كل حج، كيف كان الأجداد يكابدون شظف العيش وقسوة الطبيعة، يحدوهم إيمان عميق راسخ، وشوق عارم لتأدية الفريضة وإقامة شعائر الركن الخامس، فكانت أرواحهم بمثابة «مواكب نور» تبدّد ظلمات تلك الدروب الموحشة وتتحمّل الهلاك في سبيل الوصول إلى مهوى الأفئدة ومباشرة المناسك المقدّسة.

• طواف القدوم وأسرار «الزمازمة» وأنظمة التطويف العتيقة

تبدأ أعمال الحج الفعلية فور اختراق القوافل لبوابات مكة وتوجه الحجيج مباشرة إلى المسجد الحرام لأداء طواف القدوم. وفي تلك العصور، لم يكن الحج يُمثّل حركة فردية، بل كان محكوماً بنظام طائفة «المطوفين» الصارم؛ إذ كان لكل ركب إقليمي مطوفون محددون يتسلمون الحجاج من البوابات، ويقودونهم في حلقات دائرية حول الكعبة المشرّفة لأداء الأشواط السبعة، وهم يرفعون أصواتهم بالأدعية المأثورة والحجاج يرددون خلفهم بنبرات باكية تهزّ أركان الحرم.
وبعد الفراغ من الطواف وركعتي المقام، يتجه الحجاج صوب بئر زمزم، حيث كانت تدار عملية السقاية بواسطة طائفة «الزمازمة» العتيقة. وكان هؤلاء يستخدمون الدلاء الجلدية الكبيرة لاستخراج الماء المقدّس صعوداً من قاع البئر وتفريغه في «الدوارق» الفخارية المبرّدة لتقديمه للحجاج المنهكين من وعثاء الطريق الموحش. ثم ينتقل الركب إلى السعي بين جبلَي الصفا والمروة؛ حيث يقطعون المسافة مشياً عبر شارع المسعى الذي كان قديماً سوقاً مفتوحة تحفّها الدكاكين، ويهرول الرجال بين «الميلين الأخضرين» استحضاراً لخطوات السيدة هاجر.
وعن جلال هذه اللحظة الروحية الأولى ومشاعر الحجيج فيها، يوثّق الرحالة ابن بطوطة (سنة 726هـ) في مقتطف ناصع:
«شاهدنا الكعبة الشريفة زادها الله تعظيماً وهي كالعروس تجلّى على منصة الجلال، وترفل في برود الجمال، محفوفة بوفود الرحمن.. طفنا بها طواف القدوم، واستلمنا الحجر الأسود، وصلينا في مقام إبراهيم، وشربنا من ماء زمزم الذي هو لما شُرب له، وهو ماء عذب يخرج من بئر مباركة تحت الأرض أخذت بمجامع القلوب».
ويرصد كذلك أثر السعي في نفوس الحجاج المقرون بمحو مشقة السفر بقوله:
«جعل حبّها متمكّنا في القلوب فلا يحلّها أحد إلّا أخذت بمجامع قلبه.. ويهون على قاصدها ما يلقاه من المشاقّ ويعانيه من العناء، وكم من ضعيف يرى الموت عيّانا دونها، ويشاهد التّلف في طريقها، فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسرورا مستبشرا كأنه لم يذق لها مرارة».

• يوم التروية وخطبة الموسم: الإعداد الفقهي واللوجستي للصعود

في اليوم السابع من ذي الحجة، كان حجاج قديماً يجتمعون في صحن الحرم المكي الشريف عقب صلاة الظهر للاستماع إلى «خطبة الموسم» العظمى، وهي خطبة فقهية وتنظيمية بليغة يشرح فيها قاضي مكة خط سير المناسك للأيام المقبلة، ويحدّد مواقيتها البدنية وحركات الإفاضة والرمي تحذيراً من التيه. وفي صبيحة اليوم الثامن (يوم التروية)، يبدأ الحجيج بالتدفق صعوداً إلى وادي مِنى للمبيت هناك أداءً للسنّة النبوية الشريفة.
وكان يطلق عليه «التروية» لأن الحجاج كانوا يعمدون قديماً إلى ملء قربهم وزنابيلهم بالماء واستخراج كميات هائلة منه من آبار مكة (كتروية الدواب والأنفس)، نظراً لخلو وادي عرفات تماماً من مصادر المياه الجوفية والعذبة في ذلك الوقت. وكان الحجاج يبيتون في مِنى داخل عشش بدائية من السعف أو في العراء، وسط طقوس من الابتهال والاستعداد النفسي للحج الأكبر.
ويشهد المؤرخ المصري محمد لبيب البتنوني في رحلته (سنة 1327هـ) على التقاليد التنظيمية المصاحبة لخطبة الموسم في مطلع القرن العشرين، فيقول:
«لما صعد الخطيب المنبر صعد معه أحد الأغوات وجلس على الدرجة التي تلي قدميه، وهذه بلا شك عادة قديمة كانت للمحافظة على الخطيب أثناء اشتغاله بإلقاء الخطبة حتى لا تتسرب إليه يد أثيمة من ذوي الفتن.. وعقب هذه الخطبة أنعم الجناب العالي الخديوي على الخطيب بخلعة سنية فاخرة».

• الوقوف بعرفة والإفاضة: ذروة النسك وهيبة الموقف الشرعي

مع شروق شمس اليوم التاسع من ذي الحجة، يزحف الحجيج في فيضان بشري هائل من مِنى صوب صعيد عرفات الطاهر لإدراك الركن الأعظم للحج؛ فالأرض هناك مستوية ومفتوحة، والموقف يمتد شرعاً من زوال الشمس حتى غروبها. وفي الماضي، كان الحجاج يقفون تحت لهيب الشمس الحارقة التي تصهر الرؤوس، أو البرد القارس الذي ينخر العظام، مستمعين لخطبة عرفة التي يلقيها الخطيب فوق صخور جبل الرحمة، وهو ممتطٍ ناقته رافعاً يديه بالدعاء.
وعند غروب الشمس، تبدأ حركة «الإفاضة» نحو مزدلفة، وهي من أخطر اللحظات اللوجستية في الحج قديماً؛ إذ تتحرك آلاف الجمال والخيول والمشاة دفعة واحدة في مضيق مأزمي عرفة وسط الغبار الكثيف والعتمة، طلباً للمبيت في مزدلفة وجمع حصوات الرمي في سكينة ووقار شرعي.
ويصف البتنوني تلاحم أجساد الحجيج وهيبة موقف الإفاضة الجماعية فور مغيب الشمس قائلاً:
«وهم وإن انفصلوا في هياكلهم وأجسامهم وجنسياتهم، فإن قلوبهم مرتبطة ارتباط ذرّات الجسم الواحد ببعضها في التضرع.. حتى إذا غابت شمس عرفة تماماً، أُطلق صاروخ ناري من قِبل الخطيب إعلاماً بتمام الموقف الشرعي وانقضاء النهار، عندها تتحرك المحامل والجموع الغفيرة دفعة واحدة بين ضروب المدافع المدوية وعزف الموسيقات العسكرية، وأصوات الابتهالات الهادرة».
أما ابن بطوطة، فينقل لنا مشهد النسك وسكينة الحجاج أثناء وقوفهم وتوجههم للمبيت بمزدلفة لجمع الحصى:
«ثم يقفون بعرفة في يوم مشهود تذرف فيه العبرات، فإذا غربت الشمس أفاضوا إلى مزدلفة، فباتوا بها، ولقد رأيت الناس يجمعون الحصى لرمي الجمار في سكينة ووقار».

• يوم النحر في مِنى: الرمي، والحلق، وقصة «القديد» لدفن الجوع

مع صبيحة اليوم العاشر (عيد الأضحى الأكبر)، يتدفق الحجاج من مزدلفة إلى مِنى لأداء مناسك يوم النحر المتتابعة والمعقّدة؛ بدءاً من رمي جمرة العقبة الكبرى بسبع حصيات متتاليات، ثم التوجه لنحر الهدي، يعقبه حلق الرؤوس أو تقصيرها للتحلل الأصغر من الإحرام. وكان لهذا اليوم في الماضي بعدٌ معيشي واجتماعي بالغ الأهمية؛ نظراً لحالة السغب والفقر الشديد التي كانت تكبل بطون غالبية الحجاج طوال أشهر السفر في القفار.
وكانت قيمة الهدي قديماً لا تتجاوز «ثلاثة ريالات»، فيأكل الحجيج من هديهم لحماً طازجاً حُرمت منه أجسادهم طويلاً. ولأن وسائل الحفظ والبرودة لم تكن موجودة، استحدث الحجاج أسلوباً تراثياً لحفظ النعمة؛ حيث يعمدون إلى تجفيف اللحوم المتبقية عبر تشريحها قطعاً رقيقة وإضافة الملح الكثيف إليها لتجف تحت أشعة الشمس اللاهبة، ويسمّى هذا اللحم في العرف الشعبي بـ «القفر» أو «القديد»، ليتحوّل إلى زادٍ جاف يقيتهم في طريق العودة الطويل ويحميهم من خطر الفاقة والجوع مخافة الهلاك في البوادي.
وفي وادي مِنى أيضاً، كانت تتجلّى المراسم الإدارية والسياسية العليا للحج قديماً، حيث تُقرأ المراسيم السياسية السلطانية التي توفر الأمن والصدقات والمرتبات العينية للحجيج، وهو ما يوثقه البتنوني عند قراءة الفرمان السلطاني العثماني في سرادق مِنى:
«أخذ المأمور في تلاوة الفرمان.. وفحواها: أن مولانا السلطان.. يرجوه على الدوام مساعدة حجاج بيت الله الحرام وتوفير سبل الراحة لهم.. مع تأمين طرق القوافل، وتسهيل المواصلات البرية، والضرب بيد من حديد على أيدي الخارجين من الأعراب البادين عن الصراط السويّ المستقيم وقطاع الطرق».

• أيام التشريق والتجارة: اجتماع العبادة بتبادل منافع الشرق في الحارة المكية

في أيام الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة (أيام التشريق)، يستقرّ الحجاج في وادي مِنى لرمي الجمار الثلاث (الصغرى، والوسطى، والكبرى) بعد زوال الشمس في كل يوم، مستحضرين البُعد التعبّدي الصارم في رجم الشياطين ومبيت الليالي.
وبالتوازي مع هذا النسك الديني، تخلع مكة ثوب الهدوء لترتدي حلّة أكبر تظاهرة تجارية واقتصادية في العالم القديم؛ إذ يتحوّل الحرم ومحيطه وأزقته العتيقة إلى أسواق أممية مفتوحة يلتقي فيها حجاج الهند، والشام، ومصر، وجاوة، والمغرب. ويستغل الحجاج هذه الأيام لتبادل المنافع والسلع التراثية كالعطريات النادرة، والبخور، والسبح الثمينة المصنوعة من اليسر والصندل، والأقمشة الحريرية، لبيعها وتمويل رحلة عودتهم الشاقة.
ويصف البتنوني حركة أسواق مكة كـ «سوق الشامية» أثناء أيام التشريق والموسم ومصادر بضائعها:
«سوق تضيق وتغصّ بالمارّين والمشترين خصوصاً عند مرور قوافل الجمال المحملة بالبضائع بها. وفي هذه السوق يبيع التجار السبح بمختلف أنواعها، والأقمشة والمنسوجات الهندية والتركية.. وفيه دكاكين كثيرة تبيع الفصوص الفيروزية والياقوت والعقيق اليماني الذي يبيعه على الخصوص حجاج اليمن».
بينما يوثق ابن بطوطة بركة الأقوات وتنوّع الحاصلات وتوفر الثمار في تلك الأيام رغم جفاف وجدب طبيعة مكة المقفرة:
«ولقد أكلتُ بها من الفواكه العنب والتين والخوخ والرّطب ما لا نظير له في الدنيا.. واللحوم بها سمان لذيذات الطعوم، وكل ما يفترق في البلاد من السلع فيها اجتماعه.. لطفا من الله بسكان حرمه الأمين ومجاوري بيته العتيق».

*****

هكذا تنوّعت وتكاملت تفاصيل المناسك وشعائرها بين العصور الوسطى والتاريخ الحديث؛ فرغم أن «دروب الهلاك» وجور الطبيعة وقسوتها كانا يترصدان بأجساد الحجيج في الفيافي والوهاد، إلّا أن «مواكب النور» الإيمانية كانت تنتصر دائماً، لتقيم أركان النسك وشعائره في ظلال الكعبة المنيفة وثبات شعائرها الربانية التي لا تتغير على مر الزمان وكر الدهور، لتنتهي أعمال الحج بطواف الوداع وتبدأ العيون بالبكاء استعداداً لرحلة الإياب.

- يتبع: ركب المدينة المنورة وأشواق الروضة الشريفة