الربط الكهربائي مع قبرص: هل سيكون الخيار الأفضل للبنان؟
المهندس أحمد حبلي
في ظل الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه لبنان، لم يعد اتخاذ القرارات الاستثمارية الكبرى يحتمل هامشاً واسعاً من الخطأ. فكل دولار يُقترض أو يُستثمر اليوم سيترتب عليه التزام طويل الأمد تتحمله الدولة والأجيال المقبلة. لذلك، فإن تقييم المشاريع الوطنية الاستراتيجية لا ينبغي أن يقتصر على إثبات جدواها، بل يجب أن يثبت أنها تمثل الخيار الأفضل بين جميع البدائل الممكنة.
السؤال الذي يجب أن تجيب عنه دراسة الجدوى
من هذا المنطلق، يكتسب مشروع الربط الكهربائي البحري بين لبنان وقبرص أهمية استثنائية، بالتزامن مع إعداد البنك الدولي دراسة جدوى أولية له. فهذا المشروع لا يقتصر على استيراد الكهرباء عبر كابل بحري، بل قد يشكّل تحوّلاً استراتيجياً في موقع لبنان ضمن منظومة الطاقة الإقليمية لعقود مقبلة، الأمر الذي يفرض مقاربة تتجاوز الحسابات التقليدية المتعلقة بالقدرة الإنتاجية أو الكلفة أو مدة التنفيذ.
ومن أبرز الأسئلة التي يترقب اللبنانيون أن تجيب عنها دراسة الجدوى: هل ستقتصر على إثبات الجدوى الفنية والاقتصادية للمشروع، أم ستتضمن أيضاً مفاضلة شاملة بينه وبين البدائل الاستراتيجية الأخرى وفق معايير موحدة وقابلة للقياس؟
فالممارسات الدولية في تقييم مشاريع البنية التحتية السيادية لا تكتفي بإثبات أن المشروع قابل للتنفيذ، بل تسعى أيضاً إلى الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: هل يوجد خيار آخر يحقق منفعة وطنية أكبر باستخدام الموارد المالية نفسها؟ وهذا هو جوهر القرار الاستثماري الرشيد.
تكلفة الفرصة البديلة
يقود هذا السؤال إلى مفهوم اقتصادي أساسي يُعرف بـ تكلفة الفرصة البديلة (Opportunity Cost)، أي قيمة المنافع التي قد يخسرها البلد عندما يخصص موارده لمشروع معين بدلاً من مشروع آخر قد يكون أكثر كفاءة أو أسرع أثراً أو أعلى عائداً.
وبناءً عليه، لا يكفي أن يثبت مشروع الربط مع قبرص أنه مشروع جيد، بل ينبغي أن يثبت أنه يتفوق على بدائل محتملة، مثل إنشاء معامل إنتاج محلية، أو تسريع الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، أو إعادة تأهيل أصول قطاع الكهرباء، أو تنفيذ برامج متكاملة لخفض الهدر الفني وغير الفني وتحسين كفاءة الشبكة. فالغاية ليست اختيار مشروع ناجح، بل اختيار المشروع الذي يحقق أعلى منفعة وطنية.
قبرص... عقدة الربط الكهربائي الإقليمية
تزداد أهمية هذا التقييم عند فهم طبيعة الدور الذي تؤديه قبرص في منظومة الطاقة الإقليمية. فهي ليست مجرد دولة تمتلك فائضاً من الكهرباء، وإنما تشكل عقدة ربط كهربائي بين أوروبا وشرق المتوسط من خلال مشاريع استراتيجية، أبرزها EuroAfrica Interconnector الذي يربط مصر وقبرص واليونان، وSea Great Interconnector الذي يربط قبرص واليونان وإسرائيل. وهذا الموقع يمنح مشروع الربط مع لبنان بعداً جيوسياسياً يتجاوز كونه مشروعاً لاستيراد الطاقة، ليصبح جزءاً من منظومة كهربائية إقليمية مترابطة.
وجود إسرائيل يفرض أسئلة سيادية
في هذا السياق، تبرز قضية سيادية لا يجوز اعتبارها مجرد تفصيل تقني، وهي ارتباط بعض مكونات منظومة الربط الإقليمية بإسرائيل. فقبل اتخاذ أي قرار نهائي، من حق الدولة اللبنانية والرأي العام أن يحصلا على توضيحات رسمية بشأن الضمانات التقنية والقانونية والتعاقدية التي تكفل الفصل التشغيلي الكامل بين الكهرباء الموردة إلى لبنان وأي مصدر أو مسار قد يتعارض مع القوانين اللبنانية، ولا سيما قانون مقاطعة إسرائيل، أو مع الثوابت السيادية للدولة.
ولا ينبغي تفسير طرح هذه الأسئلة على أنه اعتراض على المشروع أو تشكيك في أهدافه، بل باعتباره جزءاً طبيعياً من متطلبات الحوكمة الرشيدة عند دراسة مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، حيث تشكّل الاعتبارات القانونية والسيادية عنصراً أساسياً لا يقلّ أهمية عن الاعتبارات الهندسية والاقتصادية.
400 مليون دولار... هل يحقق أعلى منفعة وطنية؟
تشير أحدث المؤشرات الصادرة عن جمعية مشغلي شبكات نقل الكهرباء في دول حوض البحر الأبيض المتوسط (MED-TSO)، وهي الهيئة الإقليمية المرجعية التي تضم في عضويتها مؤسسة كهرباء لبنان (EDL)، إلى أن المقترح التقني للربط البحري بين لبنان وقبرص يقوم على إنشاء وصلة كهربائية بقدرة تصل إلى 250 ميغاواط تمتد لنحو 220 كيلومتراً، بكلفة رأسمالية أولية تقارب 275 مليون يورو.
إلّا أن هذه الكلفة لا تشمل أعمال تعزيز شبكة النقل داخل لبنان، إذ توصي الدراسة بتنفيذ أعمال ربط وتقوية بين محطتي دير عمار والبحصاص لاستيعاب القدرة المستوردة ونقلها بكفاءة وموثوقية إلى مختلف المناطق اللبنانية. وتشير التقديرات الهندسية الأولية إلى أن هذه الأعمال قد تضيف ما بين 55 و85 مليون يورو، لترتفع الكلفة الإجمالية المتوقعة إلى نحو 330–360 مليون يورو، أي ما يعادل تقريباً 380–415 مليون دولار أمريكي، وذلك قبل احتساب أي تعديلات قد تفرضها الدراسات التنفيذية النهائية أو تقلبات الأسعار العالمية.
كما أن هذه الكلفة قد لا تقع بالكامل على عاتق لبنان، إذ من المحتمل أن تتشارك في تمويلها، وفقاً لهيكلية المشروع وآليات التمويل التي ستُعتمد، الدول والأطراف المرتبطة بشبكة الربط الإقليمية والمستفيدة منه، باعتباره جزءاً من بنية تحتية كهربائية عابرة للحدود تعود منافعها على أكثر من دولة.
غير أن حجم الكلفة، بحد ذاته، ليس المعيار الحاسم. فحتى لو توافرت مصادر تمويل خارجية، يبقى السؤال الأساسي: هل يحقق هذا الاستثمار أفضل استخدام ممكن للموارد المالية المحدودة؟ وهل يوفر للبنان أعلى قيمة اقتصادية وأسرع تحسن في التغذية الكهربائية مقارنة بجميع البدائل المتاحة؟
المعيار الحاسم: أعلى منفعة وطنية بأقلّ كلفة
قد يكون مشروع الربط الكهربائي مع قبرص بالفعل أحد أفضل الخيارات المتاحة للبنان، وربما تثبت دراسة الجدوى ذلك بصورة قاطعة. إلا أن الوصول إلى هذه النتيجة يجب أن يكون ثمرة مقارنة علمية شفافة مع جميع البدائل، لا افتراضاً يسبق نتائج التقييم.
ومن هنا، فإن استكمال دراسة الجدوى الفنية والاقتصادية بدراسة وطنية استراتيجية مستقلة تُجري مفاضلة موضوعية بين مشروع الربط مع قبرص وسائر البدائل الممكنة، وفق معايير موحدة وقابلة للقياس، من شأنه أن يعزز ثقة الرأي العام، ويمنح صانع القرار أساساً أكثر صلابة لاتخاذ قرار بهذا الحجم.
إن الدول الرشيدة لا تقاس بعدد المشاريع التي تنفذها، بل بقدرتها على اختيار المشروع الصحيح في الوقت الصحيح. وفي لبنان، حيث أصبحت الموارد العامة شحيحة والاحتياجات هائلة، ينبغي أن يبقى المعيار الحاكم لأي قرار استثماري واضحاً: أي خيار يحقق أعلى قيمة مضافة مستدامة للاقتصاد الوطني، وأسرع تحسن في التغذية الكهربائية، وأعلى مستوى من أمن الطاقة والسيادة الوطنية، مقابل أفضل استخدام للمال العام؟وعندما تُبنى القرارات على هذا المبدأ، لا يكون لبنان قد اختار مشروع الربط مع قبرص أو أي مشروع آخر فحسب، بل يكون قد اختار نهجاً جديداً في إدارة الاستثمارات الوطنية، يقوم على أن الأولوية لا تُمنح للمشروع الجيد، بل للمشروع الأفضل.






