باسم المجذوب
ما أعلنه محمد بن سلمان ولي العهد السعودي عن ان دول الشرق الأوسط «تحديدا دول الخليج», ستتحول الى أوروبا الجديدة كلاما قد اعتبر عفويا أو شعبويا، ولكنه ليس كذلك بل هو مسار اعتمدته دول الخليج وقد بدأت نتائجه بالظهور وأعطته الحرب الأوكرانية - الروسية دفعا لم يكن بالحسبان.
ما إن بدأت الدول الأوروبية رحلة الخروج من جائحة فيروس كورونا التي ضربت اقتصادها بقوة منذ بداية 2020 إلى منتصف العام الماضي، حتى فوجئت بكارثة الغزو الروسي لأوكرانيا، التي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي فأنهكته, والتي تتصاعد وتيرتها في التأثير على اقتصادات العالم عامة والاقتصاد الأوروبي خاصة, والذي يُعد أكبر اختبار تواجهه القارة منذ الحرب العالمية الثانية, هذه الحرب التي خططت لها روسيا منذ سنوات للتوسع الجغرافي في أوروبا واستعادة حدود الإمبراطورية الروسية والعودة الى ما قبل تفكك الجمهوريات السوفيتية في عقد التسعينيات من القرن الماضي، تداعياته ستكون وجودية على بقاء الاتحاد الأوروبي.
رغم تفاوت التقديرات لتكاليف الحرب الروسية في أوكرانيا وارتداد تأثير العقوبات الغربية الواسعة ضد موسكو على اقتصادات دول الإتحاد الأوروبي الـ27, فإنها تبدو ثقيلة حتى في أدنى مستوياتها, فهناك كلفة ضخمة للنمو الاقتصادي والأمني في أوروبا، فالحرب تضرب بمعولها إمدادات الطاقة والتجارة الخارجية وسلاسل التوريد، وتدفع معدلات التضخم إلى الصعود، ووضعت أوروبا أمام خيارات مرّة.
كانت التقديرات متباينة في إبريل/ نيسان 2022، بأن النمو الاقتصادي الأوروبي سيتعرض لخسارة قد تصل الى 1% من ناتجه المحلي المقدر بحوالي الـ 18 تريليون دولار، يضاف إلى ذلك كلفة إعادة إعمار أوكرانيا المقدرة حينها بنحو 600 مليار دولار, هذه التقديرات للخسائر تبدو متفائلة وهي تزداد مع كل يوم حرب إضافي خرابا في البنى التحتية وتدميرا في البنية الاقتصادية.
أي أرقام لحجم الخسائر هي تقديرية ولا تشكّل الحجم الحقيقي للخسائر الفعلية ولن يكون لها مصداقية إلا بعد أن تضع الحرب أوزارها, يضاف إليها تكاليف إيواء اللاجئين الأوكرانيين في الدول الأوروبية، والمساعدات التي ستدفعها أوروبا لمواطنيها من محدودي الدخل والفقراء لمقابلة فواتير أسعار الطاقة المرتفعة, بينما تسود مخاوف واسعة من حالة عدم اليقين بشأن توقيت انتهاء الحرب، وبالتالي توقف النزيف المالي والاقتصادي الأوروبي.
بينما تطاول تداعيات الحرب الجميع، إلّا أنّ كلفتها ستتفاوت حسب العلاقات التجارية والاستثمارية بين كلّ دولة من دول الاتحاد الأوروبي وروسيا, كما ان هناك توجها لتقاسم الخسائر بين دول الاتحاد الأوروبي.
رفعت الحرب الروسية على أوكرانيا من تكاليف الأمن والدفاع في دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني زيادة التمويل عبر الاستدانة، فألمانيا تنوي تحديث جيوشها بنحو تريليون دولار وهي قاطرة الاقتصاد الأوروبي, وقد دخل اقتصادها في ركود مع بداية العام 2023، في حين بلغت نسبة التضخم 7.4% في منطقة اليورو مع بدايات الأشهر الأولى للحرب، إذ قفزت أسعار الطاقة في المتوسط بنسبة 45% منذ بداية العام وحتى مارس/آذار 2022.
يجري تسليم معظم الغاز الذي تشتريه أوروبا من روسيا لتزويد مرافقها الكهربائية بالطاقة عبر خطوط الأنابيب، براً أو تحت البحر، بينما الانتقال إلى موردين آخرين سيدفعها إلى التحول إلى الغاز المسال الذي يتكلف أكثر في عمليات النقل أو التحويل, علما أنّ الكثير من الدول لا تحظى بمرافق لإتمام عمليات التحويل التي لا تتمتع بها سوى دول قليلة مثل إسبانيا وإيطاليا وليتوانيا وفرنسا، وهي التي تقود دعوات التخلي عن الغاز الروسي .
أما عن الوضع الاقتصادي فنسبة التضخم في الولايات المتحدة الأميركية بلغت اعلى مستوياتها في حزيران يونيو 2022, وتعدت الـ 9% لتنخفض بعدها مع الزيادات المتلاحقة وغير المسبوقة لمعدل الفائدة لتنخفض الى 6.5 % مع شهر يناير 2023, في حين انخفضت نسبة النمو الى أرقام مخيفة مع بداية الـ 2023 لتبلغ توقعاتها نسبة لا تتعدى الـ 1% بعد ان وصل الى نسبة 6% سنة 2021.
رفع الفائدة الى مستويات قياسية يؤدي الى المزيد من الإنكماش والى المزيد في صعوبة عملية الإقتراض التي تفتح أفاق استثمارات جديدة وتشغيل اليد العاملة وإنعاش عملية التبادل التجاري لتخفيض نسبة العجز في الميزان التجاري, وفي المقابل عدم رفع الفائدة سيؤدي حتما الى ارتفاع نسبة التضخم وزيادة في الأسعار, مما ينعكس على معيشة المجتمع وإثقال كاهله بأسعار لا تمكّنه من تحمّلها في ظل شح في مصادر الطاقة وانقطاع منافذ للتبادل التجاري وسبل التوريد, فتكون الخيارات محدودة أمام الحكومات, اما تضخم يثقل كاهل المواطن أو انكماش اقتصادي يقضي على نسبة نمو متوازن للاقتصاد.
بدأت باكورة آثار الخلل بإفلاس بنك سيليكون فالي وتعثر عدد أُخر من البنوك الأميركية والأوروبية, فهل انقلب السحر على الساحر؟ في حرب خططت لها الولايات المتحدة الأميركية لتوريط روسيا وإنهاكها لإخراجها من معادلة توازن القوى, فتورطت هي في معادلة مالية مستحيلة, لم تتمكن من معالجتها لخلق توازن بين خيارين أحلاهما مُرّ.
سجل معدل التضخم في الولايات المتحدة الأميركية أعلى مستوى له منذ 40 عاما, أما في منطقة اليورو فقد ارتفع معدل التضخم من 7.4% شهر فبراير من العام 2022 ليبلغ 10.6% مع شهر اكتوبر 2022 لينخفض الى 8.5% مع شهر فبراير 2023, ذلك بعد أن ارتفعت الفائدة الى نسبة 3% مع شهر فبراير 2023, وما قد يرافق هذا الارتفاع من سلبيات على مستوى النمو وانعدام فرص خلق استثمارات جديدة, فالفائدة على اليورو استقرت على 0% من العام 2016 ولغاية شهر حزيران 2022.
سلّط الصراع بين روسيا وأوكرانيا الضوء على مدى تشابك المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية التي تجمع بين آسيا والشرق الأوسط وروسيا. فمنذ نشوب الصراع، عبّرت الصين عن موقفها الواضح من الغزو الروسي لأوكرانيا، من خلال إدانة مساعي الغرب لتوسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) والإقرار بمخاوف موسكو الأمنية, كما أعربت الهند من جهتها عن خيبة أملها من الخطوات الروسية، إلا أنها امتنعت عن تعريض علاقاتها العسكرية والسياسية مع موسكو للخطر، ولا سيما أن هذه الأخيرة شريك مهم لها في وجه ما تعتبره الهند تهديدات متنامية من الصين وباكستان.
في الوقت نفسه، حاولت القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، بما فيها دول الخليج وإسرائيل التي تفضّل أن تبقى روسيا إلى جانبها لمواجهة التهديد النووي الإيراني، التحوّط في رهاناتها. وقد شكّلت احتياطات النفط في دول مجلس التعاون الخليجي ورقة مساومة لا تقدّر بثمن تستخدمها هذه الدول لتغيير أولوياتها الاستراتيجية وتوجيهها بعيداً عن الغرب. فعلى سبيل المثال، رفضت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مطالب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بزيادة إنتاج النفط لمواجهة ارتفاع أسعار موارد الطاقة. وأجرت الدولتان الخليجيتان محادثات مع روسيا وأبدتا استعداداً لحماية مصالحهما المتبادلة، ولا سيما على مستوى الطاقة, كذلك واصلتا دعم طموحات الصين المتنامية في المنطقة، بما في ذلك مبادرة الحزام والطريق التي تثير مخاوف مرتبطة بالأجندة التي تقودها الولايات المتحدة لمنطقة المحيطَين الهندي والهادئ.
من هنا كان مصدري الطاقة هم المستفيدون, فقد شهدت الحرب ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها في 14 عاما. وقد أدّى ذلك إلى ارتفاع معدلات التضخم والانكماش الاقتصادي على مستوى العالم، ولكن بالنسبة لدول الخليج الغنية بالطاقة، فإن الأخبار السارة تأتي بعد 8 سنوات من الركود الاقتصادي الناجم عن انخفاض أسعار النفط وجائحة كورونا.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن الدول المصدرة للنفط في الشرق الأوسط ستحقق 1.3 تريليون دولار إضافية من عائدات النفط في السنوات الأربع المقبلة.
الأموال الإضافية تعني أن دول الخليج سيكون لديها فوائض في الميزانية للمرة الأولى منذ عام 2014. ومن المتوقع أيضا أن يتسارع النمو الاقتصادي بشكل كبير. ففي النصف الأول من العام 2022 نما الاقتصاد السعودي بنسبة 9.9٪، وهو أعلى معدل نمو في عقد من الزمان, وفي تناقض صارخ فقد انكمش الاقتصاد الأميركي بنسبة 1.5٪.
يبدو أن الزعماء الإقليميين الأقوياء الذين تعرضوا في يوم من الأيام لانتقادات شديدة من الغرب عادوا إلى وضع أفضل وهم يشعرون بجرأة أكبر, فبالرغم من تعهده بتحويل المملكة العربية السعودية إلى دولة منبوذة، زار الرئيس الأميركي جو بايدن المملكة العربية السعودية في تموز/يونيو 2022 في رحلة تاريخية اعتبرت بمثابة استسلام لثقل المملكة في الاقتصاد العالمي على أمل أن تنتج المزيد من النفط وتقلل من التضخم العالمي قبل الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر 2022, ذلك بعد أن وصلت الأمور بحسب بعض التقارير إلى درجة رفض بن سلمان وبن زايد مجرد الإجابة على اتصالاته, إلا ان تلك الزيارة قد فشلت إلى حد كبير، إذ قررت «أوبك بلس» التي تقودها السعودية زيادة متواضعة جدا في إنتاج النفط، والتي وصفها محللون بأنها «صفعة على الوجه» لبايدن.
كما أتاحت الحرب فرصاً لمنتجي الغاز في المنطقة, فعلى مدى عقود اختارت الدول الأوروبية استيراد الغاز من روسيا عبر خطوط الأنابيب بدلًا من شحنها من دول بعيدة عن طريق البحر. ولكن في الوقت الذي تسعى فيه أوروبا للتوقف عن الاعتماد على الغاز الروسي، فإنها تبحث عن شركاء جدد محتملين للشراء منهم, وتعهدت قطر بتقديم نصف إجمالي طاقتها من الغاز إلى أوروبا في غضون 4 سنوات, كما وقع الاتحاد الأوروبي صفقات غاز مع مصر وإسرائيل، وكلاهما يطمح لأن يكون مركزا للغاز الطبيعي في المنطقة, كذلك وقّعت الإمارات إتفاقية تضمن تصدير الديزل من الإمارات إلى فرنسا.
فكلام محمد بن سلمان عن أوروبا جديدة أو بديلة في الشرق الأوسط قد يحمل الكثير من المعاني والحقائق وقد يكون العالم على مشارف متغيّرات كبرى تقلب الموازين لصالح الأقوى والأذكى والأقدر على اللعب على حبال موازين السياسة العالمية بحسب المتغيّرات المفصلية التي يشهدها العالم اليوم.