بيروت - لبنان

اخر الأخبار

24 شباط 2026 12:00ص بين الجباية والإقصاء: قراءة سوسيولوجية في القرار المالي اللبناني

حجم الخط
د. إقبال شرف الدين*

لا يمكن قراءة السياسة المالية في لبنان بمعزل عن البنية السلطوية التي تنتجها، فالقرار الاقتصادي هنا ليس مجرد أداة تقنية لضبط الحسابات، هو «فعل سياسي» بامتياز، يسعى لتأمين استمرارية النظام عبر تحويل الأعباء إلى الفئات الأكثر انكشافاً قانونياً واجتماعياً.
إن استهداف المهن الحرة، والمؤسسات الصغيرة، والموظفين برزم ضريبية ورسوم مستحدثة، يمثل مساراً «آمناً» للسلطة لتجنب الصدام مع مراكز النفوذ الكبرى، وتكتلات المصالح الكبرى مما يضعنا أمام عملية «تأميم للخسائر» يتحمل وزرها المواطن الفرد.
هذا الانحياز الممنهج يفرز ما يمكن تسميته بـ«الاغتراب الضريبي».
فحين يدرك المكلّف أن مساهمته المالية لا تترجم إلى خدمات عامة، بل تُستخدم لسد فجوات ناتجة عن تهرب محمي أو هدر بنيوي، يتحوّل فعل دفع الضريبة لديه من واجب وطني إلى «إكراه مالي».
هذا التحوّل السلوكي يدفع المجتمع نحو ابتكار استراتيجيات «نجاة» غير رسمية، حيث يصبح التهرّب أو العمل في الظل نوعاً من الاحتجاج الصامت أو التكيّف القسري مع غياب العدالة التوزيعية، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تآكل مفهوم الدولة في الوجدان الجمعي.
من جانب آخر، تؤدي هذه السياسات إلى «تجريف الطبقة الوسطى»؛ وهي الفئة التي تشكّل تاريخياً العصب المحرك للمحاسبة والتغيير. إن سحق هذه الطبقة تحت وطأة الرسوم لا يهدف فقط إلى تحصيل الإيرادات، بل يؤدي وظيفياً إلى إضعاف «الفعل المعارض».
فالمجتمع المستنزف مالياً والمشغول بتأمين بدائل الخدمات الأساسية (كهرباء، ماء، استشفاء) التي عجزت الدولة عن توفيرها رغم جباية الرسوم، يصبح مجتمعاً «مجزأً» يسهل احتواؤه عبر شبكات التبعية والزبائنية الفرعية، التي تنتعش دائماً على أنقاض مؤسسات الدولة المركزية.
الموضوعية تقتضي الإقرار بأن الأزمة ليست في «قصور الموارد» بقدر ما هي في «هوية الجباية».
إن الإصرار على استسهال الوصول إلى جيوب الفئات المنظمة، مقابل الحصانة غير المعلنة التي تتمتع بها ثقوب الهدر الكبرى في المرافئ والحدود، يعزز من حالة «الاستقطاب الطبقي».
هذا الواقع يجعل من أي حديث عن إصلاح مالي مجرد إجراء تجميلي ما لم يقترن بقرار سياسي يمتلك الشجاعة لنقل ثقل العبء المالي إلى «الأكتاف العريضة» والموارد العامة المنهوبة.
في المحصلة، إن الاستمرار في هذا النهج لا يهدد الاستقرار المالي فحسب، بل يضرب صمام الأمان الاجتماعي. فالعدالة المالية هي المدخل الوحيد لاستعادة الثقة المفقودة، وما دون ذلك سيبقى مجرد «هروب للأمام» يفاقم الهوة بين السلطة والشارع، ويحول الاقتصاد من محرك للنمو إلى أداة لترسيخ الفوارق وتفكيك العقد الاجتماعي.

* أستاذة في الجامعة اللبنانية