بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 نيسان 2026 12:00ص بين وعود الموازنة وواقع التراجع... حين يصبح الفقر تهديداً وطنياً

حجم الخط
لم يكن تصريح وزير المال الأخير مجرّد موقف تقني، بل صفعة جديدة لفئات واسعة من اللبنانيين الذين صدّقوا وعود موازنة ٢٠٢٦. فالتراجع عن تحسين الرواتب والمعاشات ٦ أضعاف بعد فرض أعباء إضافية على الناس، يكشف خللاً عميقاً في إدارة الدولة، ويطرح علامات استفهام جدّية حول صدقية القرارات المالية.
الأخطر اليوم ليس فقط التراجع عن الالتزامات، بل الواقع المعيشي الذي بات لا يُحتمل. فالفقر لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح واقعاً يطال غالبية المواطنين، بمن فيهم موظفو القطاع العام والعسكريون الذين أفنوا سنوات عمرهم في خدمة الدولة. هذا الانحدار الحاد في القدرة الشرائية، وغياب أي شبكة أمان اجتماعي، يدفع المجتمع نحو حافة الانفجار.
إن تجاهل هذه الحقيقة، أو التعامل معها كأرقام في تقارير مالية، هو خطأ جسيم. فالفقر حين يتفشّى بهذا الشكل، لا يبقى مسألة اجتماعية فقط، بل يتحوّل إلى تداعيات خطيرة في الشارع. والتجارب تثبت أن المجتمعات التي تُترك لمصيرها الاقتصادي، تنزلق سريعاً نحو الفوضى وعدم الاستقرار.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن الطريقة التي أُقرّت فيها موازنة ٢٠٢٦، والتي بدت وكأنها مسرحية سياسية أكثر منها عملية إصلاحية جدّية. فقد سارع مجلس النواب إلى إقرار رسوم إضافية على مادة البنزين، وبدأ تنفيذها في اليوم التالي، تحت عنوان تأمين الموارد لتحسين الرواتب. إلّا أنّ ما حصل فعلياً كان العكس تماماً: ارتفعت الأسعار بشكل عشوائي، وتآكلت القدرة الشرائية أكثر فأكثر، فيما بقيت الوعود بتحسين الرواتب حبراً على ورق.
لقد تحوّلت هذه الإجراءات إلى عبء مباشر على المواطنين، حيث دُفعت الأكلاف فوراً من جيوبهم، من دون أي انعكاس إيجابي على رواتبهم أو معاشاتهم. ومع مرور الوقت، لم يظهر أي أثر فعلي لهذه الإيرادات على تحسين الأوضاع، ما يطرح سؤالاً مشروعاً: أين ذهبت الأموال التي جُمعت؟ ولماذا لم تُترجم إلى خطوات ملموسة تعيد بعض التوازن إلى حياة الناس؟
وفي مقابل هذا الواقع، لا تزال السلطة تعتمد النهج نفسه: تحميل الخسائر للفئات الأضعف، وغياب أي خطوات فعلية لوقف الهدر ومحاسبة المسؤولين عن الانهيار. لا إصلاح حقيقياً، ولا رؤية اقتصادية متكاملة، بل إدارة أزمة بأسلوب الترقيع والتأجيل.
المطلوب اليوم ليس تبرير العجز، بل مواجهة الحقيقة: إن إنقاذ المالية العامة لا يمكن أن يكون على حساب كرامة الناس. المطلوب خطة واضحة تعيد التوازن، تبدأ بحماية ذوي الدخل المحدود، وتفعيل الرقابة، وإقفال مزاريب الهدر، واستعادة الثقة المفقودة بين الدولة والمواطن.
في الخلاصة، إن الاستمرار في هذا المسار سيؤدي حتماً إلى تداعيات خطيرة، لأن الجوع لا يمكن احتواؤه بالوعود، ولأن الفقر إذا تُرك يتمدّد، سيتحوّل إلى أزمة وطنية شاملة تهدّد الاستقرار وكيان الدولة.

العميد المتقاعد مارون بدر