بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 أيار 2026 12:00ص تداعيات الحرب وانعكاساتها على لبنان كارثية.. زمكحل لـ«اللواء»: الاقتصاد اللبناني يتراجع والحرب عمّقت الأزمة

حجم الخط
بالتزامن مع استمرار الحرب منذ مطلع شهر آذار الماضي، يغرق لبنان أكثر فأكثر في واقع اقتصادي شديد الهشاشة، حيث تتقاطع تداعيات الانهيار المالي المستمر منذ عام 2019 مع الضربات المباشرة للحروب الأخيرة، ما يفاقم ضعف القطاعات الاقتصادية التي كانت أساساً تعاني من اختلالات بنيوية عميقة وتراجع حادّ في الإنتاجية والثقة والاستثمار. وقد دفعت هذه التطورات بالاقتصاد إلى مزيد من الانكماش، وعمّقت حالة عدم الاستقرار الاجتماعي، وزادت الضغوط على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية، في ظل غياب أي أفق فعلي للتعافي، وسط تحذيرات متصاعدة من اتساع رقعة الانهيار إذا استمرت الأوضاع على هذا النحو.
وحول الواقع الاقتصادي الحالي والمخاطر القائمة، تحدث رئيس الاتحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال اللبنانيين وعميد كلية إدارة الأعمال في جامعة القديس يوسف، الدكتور فؤاد زمكحل، لـ«اللواء»، مشدّداً على ضرورة استعادة مسار الإصلاح كمدخل أساسي لأي إنقاذ اقتصادي.
وأشار إلى أن لبنان يشهد مرحلة بالغة التعقيد، تتداخل فيها تداعيات الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع آثار الحرب الأخيرة، في وقت كان يُعوَّل فيه على إعادة إطلاق الدورة الاقتصادية واستعادة الثقة واستقطاب الاستثمارات والشروع في مسار إعادة الإعمار.
ولفت زمكحل إلى أن لبنان، الذي كان يُنظر إليه تاريخياً كبلد يتمتع بمرونة اقتصادية واجتماعية عالية، فَقدَ تدريجياً جزءاً كبيراً من هذه الميزة نتيجة تراكم الأزمات، ما انعكس سلباً على قدرة الأفراد والمؤسسات على الصمود، وعلى فعالية الاقتصاد في مواجهة الصدمات المتتالية.
وفي المقاربة المالية والنقدية، اعتبر زمكحل أن البلد يواجه أزمة غير مسبوقة أدّت إلى تآكل الاستقرار النقدي وانهيار جزء كبير من المنظومة المالية التقليدية. كما أشار إلى أن الناتج المحلي الإجمالي تراجع من نحو 50 إلى 55 مليار دولار قبل عام 2019 إلى حدود 35 مليار دولار في المرحلة الراهنة، مع انخفاض إضافي في القدرة الشرائية، ما يعكس حجم الانكماش الاقتصادي.
كما لفت إلى أن التضخم المرتفع وتزايد الضغوط المالية انعكسا على كلفة الإنتاج والتصدير والتأمين وغيرها، ما أدّى إلى إنهاك مختلف القطاعات الإنتاجية، في حين ساهمت تداعيات الحرب الأخيرة في تعميق الأزمة عبر ضرب ما تبقّى من الثقة لدى المستثمرين المحليين والخارجيين، وهي الثقة التي تُعد شرطاً أساسياً لأي تعافٍ اقتصادي.
على الصعيد الاجتماعي، أشار الدكتور زمكحل إلى أن نسب الفقر ارتفعت إلى مستويات خطيرة، متجاوزة 80% في مراحل سابقة، مع تفاقم الأوضاع نتيجة تزايد أعداد النازحين الذين فقدوا مصادر رزقهم ومساكنهم، ما يرفع منسوب المخاطر الاجتماعية ويزيد احتمال انفجار اجتماعي غير قابل للتوقع أو الضبط.
كما أضاف أن مختلف القطاعات، من الصناعة والعقار والنقل والتأمين وصولاً إلى القطاع السياحي، تعرّضت لانكماش حاد، رغم التوقعات السابقة بانتعاش المواسم السياحية. إلّا أن التطورات السياسية والأمنية أدّت إلى تراجع الحركة السياحية وإلغاء عدد من الفعاليات، ما عمّق الخسائر الاقتصادية.
أما على صعيد إعادة الإعمار، فكشف زمكحل أن كلفة الأضرار الناتجة عن حرب 2024 تُقدَّر بنحو 15 مليار دولار، مع إضافة تقديرات لحرب 2026 تقارب 8 مليارات دولار، ما يرفع الكلفة الإجمالية إلى ما بين 23 و25 مليار دولار، وهي أرقام تفوق قدرة الدولة اللبنانية على التمويل.
إضافة إلى أن المساعدات الخارجية محدودة بفعل أولويات الدول الداعمة، ما يجعل مسار إعادة الإعمار مرهوناً بتوافر حل مستدام وإعادة النظر في الخيارات والسياسات العامة.
كما لفت إلى أن لبنان يعيش مستوى مرتفعاً من الدولرة غير الرسمية، حيث لم تعد الليرة اللبنانية تُستخدم إلّا في نطاق محدود، في حين ترتبط معظم المعاملات بالدولار بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يجعل الاقتصاد فعلياً مدولراً بنسبة مرتفعة. واعتبر أن استقرار سعر الصرف يبقى مرهوناً باستمرار السياسات النقدية الحالية، مع بقاء احتمال التذبذب قائماً في حال ظهور عوامل غير متوقعة.
أما بالنسبة لموضوع العجز، فاعتبر أننا لم نعد فقط إلى نقطة الصفر، بل إلى مراحل أبعد بكثير، خصوصاً أن الحرب الأخيرة لم نخترها ولم نكن نريدها، كما كنا ندرك مسبقاً أنها ليست حرباً يمكن التعامل معها أو الدخول في مواجهتها، باعتبار أن نتائجها لم تفضِ أيضاً إلى أي مكاسب أو صمود فعلي، وكانت كلفتها باهظة جداً على لبنان على المستويات كافة.
وتوقف زمكحل عند التحديات البنيوية، معتبراً أن غياب الرؤية الموحّدة والقرار الاقتصادي الجامع يشكل عائقاً أساسياً أمام أي عملية تعافٍ، ويضعف قدرة الدولة على التفاوض أو جذب الاستثمارات.
وفي ما يتعلق بالمساعدات الدولية، لفت إلى أن التجارب السابقة لمؤتمرات الدعم لم تحقق النتائج المرجوة، بسبب غياب الإصلاحات أو سوء الإدارة أو الهدر، ما يجعل أي دعم مستقبلي مرتبطاً حصراً ببرنامج إصلاحي واضح، يبدأ بإعادة تفعيل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي كمدخل أساسي لاستعادة الثقة.
معتبراً أنه لا يمكن الحصول على أي مساعدات فعلية من دون وجود دولة موحّدة تتولى التفاوض باسم لبنان في كل الملفات، وهو أمر لا يزال حتى اليوم غير متحقق بالشكل المطلوب.
مشيراً إلى أن الحل الأساسي هو في إعادة بناء الدولة أولاً، وبناء الثقة الداخلية، ومن ثم استعادة الثقة الخارجية تدريجياً، بما يفتح الطريق أمام إعادة الإعمار، والنهوض الاقتصادي، وجذب الاستثمارات التي يحتاجها لبنان.
وختم زمكحل بالقول: «لا مجال لا للتفاؤل المفرط ولا للتشاؤم، بل المطلوب قراءة واقعية للواقع. ونحن ما زلنا في النفق نفسه، لكننا نستمر في الحفر داخله بدل البحث عن مخرج منه».