بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 أيار 2026 12:40ص لقاء واشنطن بين الإنجازات.. والتداعيات!

حجم الخط
مع اقتراب انتهاء مهلة الهدنة الحالية، يدخل لبنان مجدداً في منطقة رمادية شديدة الحساسية، حيث يتقاطع التصعيد العسكري الإسرائيلي مع مساعٍ دبلوماسية، يعتبرها البعض بأنها «فرصة أخيرة» لتفادي الانزلاق نحو مواجهة أوسع. في هذا السياق، يكتسب الحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض، أهمية استثنائية تتجاوز البُعد البروتوكولي، إلى اختبار فعلي لجدوى المسار السياسي في مواجهة منطق القوة.
من حيث المبدأ، يشكل أي لقاء مباشر أو غير مباشر بين لبنان وإسرائيل، خاصة تحت مظلة أميركية، تطوراً لافتاً في إدارة الصراع. فهو يفتح نافذة لإعادة تثبيت قواعد الاشتباك، وربما إعادة إحياء مرجعية اتفاقية الهدنة ١٩٤٩التي يتمسك بها لبنان كإطار قانوني واضح يضمن وقف الأعمال العدائية، والانسحاب من الأراضي المحتلة. غير أن هذه الإيجابية النظرية تصطدم بواقع ميداني مختلف تماماً، حيث تعتمد إسرائيل سياسة الأرض المحروقة، مستهدفة البنية التحتية والقرى، بما يُضعف أي ثقة لبنانية بجدية نياتها.
السؤال الجوهري هنا ليس في انعقاد اللقاء بحد ذاته، بل في مضمونه وضماناته لاسيّما في حال تخلله الإجتماع بين عون ونتنياهو. فلبنان، الذي يذهب إلى هذا الاستحقاق مثقلاً بأزمات داخلية وانقسام سياسي حاد، يحتاج إلى أكثر من وعود أو تفاهمات فضفاضة. ما يطلبه عملياً هو انسحاب كامل من المناطق التي شهدت توغلات عسكرية، ووقف دائم للعمليات العدائية، والعودة إلى قواعد واضحة تحكم الحدود الدولية الجنوبية. من دون ذلك، سيُنظر إلى اللقاء على أنه مجرد محاولة لشراء الوقت، أو فرض وقائع جديدة وتقديم تنازلات تحت غطاء دبلوماسي أميركي، لمصلحة العدو الإسرائيلي.
الواقع أن إسرائيل تتعامل مع هذا المسار من زاوية مختلفة، تسعى من خلالها إلى ترجمة أهدافها العسكرية إلى مكاسب سياسية وأمنية، سواء عبر تعديل قواعد الاشتباك، أو فرض ترتيبات جديدة على الحدود. وهذا التباين في الأهداف يهدد بتحويل اللقاء إلى ساحة تجاذب، بدلاً من أن يكون منصة للحل.
أما على المستوى اللبناني الداخلي، فإن نتائج هذا اللقاء، سلباً أو إيجاباً،  ستكون لها انعكاسات مباشرة على المشهد السياسي. ففي حال نجح في تحقيق تقدم ملموس، ولو جزئي، نحو تثبيت وقف إطلاق النار بشكل عملي، ووضع برنامج جدّي للانسحاب الإسرائيلي، قد يمنح ذلك الدولة اللبنانية دفعاً معنوياً وسياسياً، ويعزز موقعها في مواجهة حزب الله، والأطراف التي تبرر استمرار السلاح خارج إطار الدولة والشرعية الرسمية، سيّما بعد القرارات السيادية التي إتخذتها الحكومة في الأشهر الأخيرة، كما يؤكد عودة الدولة لمرجعية وحيدة لقرار الحرب والسلم في البلد، لأنها إستعادة بالمفاوضات ما خسره الحزب في الميدان. 
ولكن في المقابل، إذا فشل اللقاء المنتظر، أو جاء دون التوقعات، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تصاعد الخطاب الرافض لأي رهان على الوساطة الأميركية، وتعزيز موقع حزب الله والقوى التي ترى أن الخيار العسكري هو السبيل الوحيد لردع إسرائيل، مع كل ما يحمله هذا الخيار من تداعيات سلبية على مستوى كل لبنان، وليس فقط بالنسبة للمنطقة الجنوبية، التي ما زالت تتعرض ، حتى كتابة هذه السطور، إلى هجمات وحشية لا توفر بشراً ولا حجراً. 
الأخطر من ذلك، أن عدم التزام إسرائيل بأي تفاهمات محتملة سيضع لبنان أمام معادلة صعبة: إما القبول بالأمر الواقع،  ما يحمله من مخاطر سياسية وشعبية كبيرة على الجبهة الدخلية، أو الانزلاق مجدداً إلى دائرة التصعيد، مع ما يعنيه ذلك من كلفة بشرية واقتصادية لا يحتملها البلد في ظل أزماته المتراكمة.
هنا تكمن ضرورة عملية التبصُّر والتروِّي، وتبرز أهمية إدارة التوقعات بحنكة وموضوعية. فالرهان على هذا اللقاء يجب أن يكون واقعياً، بعيداً عن المبالغة في الحديث عن النتائج وتصويره كحل نهائي. في حين يبقى في أفضل الأحوال، خطوة ضمن مسار طويل ومعقّد، يحتاج إلى توافر إرادة دولية حقيقية عامة، وأميركية خاصة،  للضغط على إسرائيل، لوقف التصعيد والإنسحاب إلى الحدود الدولية،  وفي نفس الوقت تظهير موقف لبناني موحَّد يُعزز القدرة التفاوضية للدولة.
لا شك أن زيارة الرئيس جوزاف عون المرتقبة إلى واشنطن تحمل في طياتها فرصة كبيرة لطالما إنتظرها اللبنانيون لإعادة الإستحواذ على الإهتمام الأميركي الرسمي بملفات وطن الأرز الشائكة. لكن اللقاء المنتظر مع رئيس الحكومة الإسرائيلية يبقى محفوفاً بمخاطر كبيرة، لأن نجاحه مرهون بمدى القدرة على تحقيق اختراق عملي  وملموس في مسألة الانسحاب ووقف الاعتداءات اليومية الراهنة، وليس مجرد لقاء لكسر «التابو»، وإلتقاط  الصور لأول لقاء لبناني ــ إسرائيلي على مستوى القمة. 
لا بد من التأكيد بأن الفشل، سيكون له ثمن داخلي باهظ، قد يعمّق الانقسام، ويعيد إنتاج دوامة العنف التي يسعى اللبنانيون، بكل طاقتهم، إلى الخروج منها، وفي الوقت نفسه يُبقي واقع الإحتلال جاثماً على أرض الجنوب.