عمّال الأفران في قلب معادلة الرغيف: حقوق مهدّدة وقطاع يبحث عن التوازن
نوال أبو حيدر
لطالما ارتبط ملف الخبز في لبنان بسعر ربطة الخبز وتوافرها، باعتبارها سلعة أساسية تمسّ الأمن الغذائي للمواطنين. إلّا أن هذا الملف عاد اليوم إلى الواجهة من زاوية مختلفة، تتعلق هذه المرة بالعنصر البشري الذي يقف خلف صناعة الرغيف. فعمّال المخابز، الذين يواصلون العمل لساعات طويلة وفي ظروف مهنية شاقة، يطالبون بتطبيق قانون العمل والاتفاقات الموقّعة، وضمان حقوقهم الأساسية، من أجور عادلة وتعويضات وتغطية اجتماعية، في وقت تؤكد فيه إدارات المخابز أنها تواجه بدورها ضغوطا مالية وارتفاعا مستمرا في كلفة التشغيل.
ويأتي هذا السجال في مرحلة دقيقة يسعى فيها الجميع إلى الحفاظ على استقرار قطاع المخابز، الذي يشكّل أحد أعمدة الأمن الغذائي في البلاد، من دون أن يكون ذلك على حساب حقوق العمال أو قدرة المؤسسات على الاستمرار. وبين مطالب العمال بالالتزام بالقوانين، وهواجس أصحاب المخابز من أي أعباء إضافية قد تهدّد استمرارية الإنتاج، تبرز الحاجة إلى مقاربة متوازنة تضمن العدالة للعاملين وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار القطاع وعدم انعكاس أي أزمة جديدة على المواطن.
فما هو الواقع الفعلي لعمال المخابز اليوم؟ وهل تُطبق القوانين والاتفاقات التي تنظم عملهم؟ وكيف يمكن التوفيق بين حماية حقوق العاملين وضمان استمرارية قطاع حيوي يمسّ حياة اللبنانيين اليومية؟
الالتزام بالقوانين والقرارات النافذة
ردا على ما يُثار في الآونة الأخيرة بشأن التزام الأفران بحقوق العمال وآلية احتساب الأجور وتنظيم أوضاع العاملين في القطاع، يشدّد رئيس اتحاد نقابات الأفران والمخابز في لبنان، ناصر سرور، في تصريح لصحيفة «اللواء»، على أن «الأفران المنضوية في الاتحاد تلتزم بتطبيق جميع القوانين والأنظمة والقرارات والمراسيم والاتفاقات الصادرة عن وزارة الاقتصاد والتجارة، والتي تُعد المرجع المختص بتنظيم قطاع إنتاج الخبز».
ويؤكد أن «الاتحاد، وانطلاقا من مسؤوليته في توضيح الحقائق للرأي العام، يواصل دعوة جميع المؤسسات العاملة في القطاع إلى التقيد الكامل بالأحكام القانونية والتنظيمية المرعية الإجراء، بما يضمن حسن تنظيم القطاع وصون حقوق مختلف الأطراف، نافيا صحة ما يتم تداوله من معلومات لا تعكس واقع التزام الأفران المنضوية في الاتحاد بالأنظمة النافذة».
آلية احتساب الأجور
وفيما يتعلق بأجور العاملين في قطاع الأفران، يوضح سرور أن «آلية احتساب الأجور ترتبط بالإطار المعتمد لتنظيم إنتاج ربطة الخبز وتسعيرها، مع مراعاة الاتفاقات الجماعية والأنظمة المرعية الإجراء». مشيرا إلى أن «عددا كبيرا من أصحاب الأفران يمنحون العاملين أجورا وتقديمات مالية تتجاوز الحد الأدنى المتفق عليه، في إطار الحرص على الحفاظ على اليد العاملة المؤهلة، نظراً إلى طبيعة العمل الشاقة التي تتطلب استمرارية الإنتاج على مدار الساعة».
ويؤكد أن «العاملين في قطاع الأفران يستحقون أفضل الظروف الممكنة»، مشدّدا على أن «أي تعديل أو تطوير في الأجور يجب أن يتم ضمن إطار قانوني واضح ومتوازن، يراعي في الوقت نفسه استدامة المؤسسات واستمرارية عملها، من دون تحميل المستهلك أعباء إضافية خارج آلية التسعير الرسمية المعتمدة».
تنظيم ساعات العمل
وفيما يتعلق بساعات العمل والعمل الإضافي، يرى سرور أن «خصوصية قطاع الأفران، الذي يعتمد على استمرارية الإنتاج والتشغيل على مدار الساعة، تفرض آليات تنظيم خاصة لساعات العمل، تطبق وفق الاتفاقات المعتمدة في القطاع والأنظمة المرعية الإجراء. مشيرا إلى أن التعويض عن ساعات العمل الإضافية يتم وفق الآليات المالية المتفق عليها، والتي سبق تعميمها على المؤسسات عند إقرار الاتفاقات ذات الصلة، بما يراعي خصوصية طبيعة العمل ومتطلبات استمرارية الإنتاج، ويضمن في الوقت نفسه الالتزام بالأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها».
ضمان الحقوق القانونية
وفي سياق متصل، يلفت سرور إلى أن «اتحاد نقابات الأفران والمخابز في لبنان يضع نفسه في تصرف جميع العاملين في القطاع، وأن أبوابه مفتوحة لتلقّي أي شكوى أو مراجعة تتعلق بحقوقهم، والعمل على متابعتها وفق الأصول القانونية وبالتنسيق مع الجهات الرسمية المختصة»، مشدّدا على احترام الاتحاد لحق أي عامل في اختيار مكان عمله والانتقال بين المؤسسات، بما يتوافق مع القوانين والأنظمة النافذة، مؤكدا أن «معالجة أي إشكالية تتم ضمن الأطر القانونية التي تكفل حقوق جميع الأطراف وتحافظ على استقرار القطاع».
مرسوم خاص بالأفران!
ويعرب سرور عن «موقف الاتحاد الداعي إلى إقرار آلية أو مرسوم تنظيمي خاص بعمال الأفران، يراعي خصوصية هذا القطاع ويؤمّن تنظيم أوضاع العاملين فيه ضمن إطار قانوني واضح، من دون ترتيب أعباء مالية تفوق قدرة العمال أو المؤسسات أو المستهلكين. لأن أي تنظيما جديدا يجب أن يوازن بين حماية حقوق العاملين، واستمرارية عمل الأفران، والحفاظ على الأمن الغذائي واستقرار إنتاج الخبز».
معادلة الحقوق والكلفة
وأمام كل هذه المعطيات، يقول سرور إن «أي تعديل في الأجور أو في عناصر الكلفة يجب أن ينعكس ضمن الآلية الرسمية المعتمدة لتسعير ربطة الخبز، والتي تعتمدها وزارة الاقتصاد والتجارة استنادا إلى دراسة تأخذ في الاعتبار مختلف عناصر الإنتاج، وفي مقدمها أسعار الطحين والمحروقات وسعر صرف الدولار. واعتماد هذه الآلية يهدف إلى الحفاظ على التوازن بين ضمان حقوق العاملين، وتأمين استمرارية عمل المؤسسات، وحماية المستهلك من أي أعباء إضافية قد تنشأ عن تعديلات تخرج عن إطار التسعير الرسمي المعتمد».
الالتزام بحقوق العاملين واستقرار القطاع
وفي ختام تصريحه، يؤكد سرور أن «اتحاد نقابات الأفران والمخابز في لبنان سيواصل التزامه بحماية حقوق العاملين في القطاع، بالتوازي مع الحرص على استمرارية المؤسسات وضمان الأمن الغذائي»، مشدّدا على أن «الاتحاد سيبقى منفتحا على التعاون مع جميع الجهات والسلطات المختصة للوصول إلى حلول قانونية ومستدامة، تكفل حقوق جميع الأطراف وتحافظ على استقرار قطاع الأفران، وذلك في إطار الالتزام بأحكام القوانين والأنظمة المرعية الإجراء».






