عبدالرحمن قنديل
بالرغم من التطورات الأمنية الحامية التي يشهدها لبنان في إطار الحرب الدائرة على الجبهة الجنوبية،لا يزال موضوع «وضع لبنان على اللائحة الرمادية» يأخذ حيزاً كبيراً من النقاشات والتوقعات والتحليلات عن اقتراب القرار وأن القرار أصبح حتمياً ولا مفر منه بالرغم من الجهود التي يقوم بها حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري لتجنيب لبنان هذه اللائحة، إنما هل الفرصة لا زالت قائمة بتجنيب لبنان هذه اللائحة أم أن اللائحة الرمادية باتت واقعاً لا مفر منه؟
الخبير المالي والمصرفي نسيب غبريل يؤكد إلى أنه خلافاً لما هو يروج ليس صحيحاً على الإطلاق بأن وضع لبنان على اللائحة الرمادية بات محسوماً،هذا كله في إطار التكهنات والمزايدات والتهويل لأن مجموعة العمل المالية لمكافحة تبيض الأموال وتمويل الإرهاب تجتمع ثلاث مرات في السنة المرة الأولى في شباط،والثانية في شهر حزيران،والمرة الثالثة في تشرين الأول خلافاً لما يتم ترويجه على أن الإجتماع هو في منتصف شهر أيلول وأن اللائحة الرمادية أمر «لا مفرمنه»،وهذا أمر غير متصل بالواقع عملياً بسبب أن إجتماع الجمعية العمومية لمجموعات العمل المالية سيكون في آخر أسبوع من تشرين الأول لذلك لن يصدر شيء بهذا الخصوص قبل هذا الوقت حكماً،وكل ما يتم سماعه هو في إطار التكهنات والتهويل وضجيج غير مبني على وقائع.
ويوضح غبريل أن وضع لبنان على اللائحة الرمادية ليس أمراً حتمياً،بالرغم من كل الضجيج الذي يثار حول هذا الأمر باعتبار أن مجموعة العمل المالية قامت بتحضير تقرير مفصل عن لبنان ليس لإعتبارات خاصة،إنما بسبب أن في كل عشر سنوات تقوم المجموعة باصدار تقارير خاصّة عن البلدان التي تقوم بمراقبتهم ولأن دور لبنان قد حان أصدرت تقريراً مفصلاً من 360 صفحة تقريباً في حزيران من العام 2023 وقدمته للسلطات اللبنانية،ونشر على الموقع الخاص بالمجموعة في كانون الأول من العام 2023 وهذا التقرير يشير إلى أن لبنان ممتثل كليّاً أو جزئياً بـ 34 من أصل 40 توصية للمجموعة فيما يتعلق بنظام مكافحة تمويل الإرهاب وتبيض الأموال ولكن هناك 6 توصيات أخرى لا يمتثل بها بالشكل الكافي.
ويشير إلى أن مصرف لبنان منذ حزيران من العام 2023 وهو يحاول معالجة هذه الثغرات القائمة،وهي إجراءات تقنية تتعلق بها إنما هناك أمور تبقى خارجة عن نطاق المصرف والقطاع المصرفي،والتقرير يؤكد أن القطاع المصرفي ملتزم بمعايير مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب،إنما تبقى المشاكل تتمحور حول «شركات الصيارفة غير المرخصة»،و«شركات تحويل الأموال الغير مرخصة» أيضاً،وأمور أخرى كان يجب أن يتحرك القضاء لرصدها خصوصاً في مواضيع تتعلق بتجميد أصول وسواها،إنما مصرف لبنان يعالج هذا الأمر من شقّين، من خلال التواصل المستمر مع المعنيين إن كان مع مجموعة العمل المالية نفسها أو البلدان المهمة في هذا الأمر،والشق الآخر من خلال إقناع السلطات المعنية بتطبيق الإجراءات،لذلك أصدر المصرف من ضمن صلاحياته تعاميم تتعلق بهذا الأمر وأبرز هذه التعاميم أن يكون هناك «مقاصّة» للشيكات «بالفرش» في نيسان من العام الحالي أي أن يتم كتب الشيكات انطلاقاً من الحسابات النقدية،ناهيك عن الأمور التنظيمية الأخرى للشركات المالية والصيرفة الموجودة في المصارف من خلال أن يكون هناك دائرة خاصة لمكافحة الفساد وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب وهذه موجودة داخل المصارف التجارية إنما جرى تعميمها في كل القطاعات المالية والمصرفية فضلاً عن التشجيع المستمر على استخدام بطاقات الدفع بدلاً من النقد.
ويرى أن مصرف لبنان يقوم بواجباته في ما يتعلق بهذا الأمر،بالرغم من بعض الأمور الأخرى العالقة كـ«إقتصاد النقد» على سبيل المثال وهذا أمر مهم وخطير وليس بيد المصرف المركزي وحده بأن يقلص من حجمه،ولكن يقوم بواجباته في هذا الخصوص ناهيك عن الأمور التقنية الأخرى خارج القطاع المالي.
ويذكّر غبريل أن لبنان سبق وأن كان موجوداً في اللائحة الرمادية سابقاً في العام 2000 و2001،بسبب أنه وفقاً لعمليات التحقيق في الخارج في أمور تتعلق بتبييض الأموال وسرعان ما يتم الوصول إلى لبنان ويتم الإصطدام في حائط مسدود يتعلق بعدم وجود قانون يتعلق بـ«محافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب»،والسلطات اللبنانية في ذلك الحين تعاونت لنص القانون وتم إقراره في مجلس النواب عام 2001،ومن ضمن القانون تأسيس الهيئة الخاصة لمكافحة تبيض الأموال ليتم إزالة لاحقاً إسم لبنان عن اللائحة الرمادية بناء على هذا الأمر وفي تلك الفترة عندما كان لبنان على اللائحة الرمادية لم تقطع العلاقات مع المصارف المراسلة على الإطلاق مثلما يتم التهويل بشأنه في حال تم وضع لبنان على اللائحة الرمادية وأن تكون نتيجته انعزال لبنان عن العالم .
ويعتبر أنه على الرغم من أنه ليس من الأمر المستحب أن يكون لبنان على اللائحة الرمادية،إنما على سبيل المثال دولة الإمارات العربية المتحدة بقيت عاماً كاملاً على هذه اللائحة إلى أن تمت إزالتها عن اللائحة الرمادية في شباط الماضي باعتبار أنه عندما يوضع بلد معين على اللائحة الرمادية الهدف من وضعه هو تشجيع هذا البلد على معالجة الثغرات في نظامه المتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، أي حث لمعالجة الثغرات وليس عقاباً جنائياً،وتركيا بقيت سنوات على هذه اللائحة إلى أن أزيل في شهر حزيران وأضافت مجموعة العمل في هذا الشهر إمارة «موناكو» على هذه اللائحة بسبب الثغرات في نظام تبييض الأموال وتمويل الإرهاب المتبع في البلاد وعلى السلطات العمل لمعالجة هذه الثغرات.
ويختم غبريل:«ونكرر بأنه ليس من المستحب أن يوضع لبنان على اللائحة الرمادية،ولبنان يكفيه من المشاكل ما يكفيه،إنما التهويل والتخويف المتبع في ما يتعلق بانعكاسات وضع لبنان على اللائحة الرمادية بأنه ستنقطع التحويلات المالية إلى لبنان وبأن لبنان سيعزل عن العالم هو كلام في إطار المبالغة والمزايدات لإحداث ضجيج إعلامي،من دون أخذ العناء ليتأكدوا من صحة هذا الأمر أو الأسلوب المتبع من قبل هذا النظام في عمله ووفقاً لأي آلية يتم تطبيقه،أو الأخذ بعين الإعتبار الجهود التي يقوم بها المصرف المركزي متجنبين الإنتظار إلى أواخر شهر تشرين الأول لمعرفة ماذا سيحدث،بالرغم من أن هذا الإحتمال هو قائم إنما ليس حتمياً الأفضل الإنتظار بعيداً عن المزايدات والتكهنات».