بعد بضعة أشهر تدخل الأزمة المالية والإقتصادية في لبنان عامها الخامس . مع ذلك، ما زال لغاية اليوم المودعون في المصارف التجارية في لبنان في حالة ترقب وضياع. إنهم لا يعلمون شيئاً عن مصير ودائعهم البالغ مجموعها حوالى 88 مليار دولار أميركي، كما أنهم فقدوا منذ بداية الأزمة حق القرار المباشر بشأن تحريك وسحب هذه الودائع.
ما زال المودع في المصارف في لبنان ومنذ بدء الأزمة يخضع لقرارات وإجراءات المصارف، لا يستطيع الإعتماد على وديعته لتغطية تكاليف أيٍّ من حاجاته المعيشية (الغذائيّة، الإستشفائيّة،...)، إنّه تحت رحمة تعاميم مصرف لبنان التي تجيز لبعض المودعين الذين يملؤون الشروط المحددة، بسحب مبلغ شهري بالدولار الأميركي من حسابهم المصرفي.
إن هذه التعاميم التي تدخل ضمن برمجة تسديد قسم من الودائع مجحفة بحق بعض المودعين، وإليكم أسباب هذا الإجحاف:
- التعميم 158: بالرغم من التعديل الذي طرأ على هذا التعميم بحيث لم يعد يتوجب على المستفيد منه تحويل نصف المبلغ المسموح سحبه إلى الليرة اللبنانية بسعر صرف متدنٍ، يبقى مجحفاً كونه لا يستفيد منه كافة المودعين.
- التعميم 166 الصادر مؤخراً في 2 شباط 2024 لا يستفيد منه الأشخاص الذين حوّلوا بعد تاريخ ٣١/١٠/٢٠١٩ إلى العملات الاجنبية ما يوازي أو يزيد عن ٠٠٠ ٣٠٠ دولار اميركي، وكأنه حكم على هذا القسم من المودعين بعدم الإستفادة من أي تعميم يخوِّلهم حالياً السحب نقداً لجزء من ودائعهم بالدولار الأميركي.
من هنا فإن مسؤولية هذا الإجحاف تقع على عاتق مصرف لبنان مباشرة ومن ورائه المصارف لمشاركتها بمضمون هذه التعاميم.
بما يخص المصارف، فهي منذ العام 2021 لم تطرح أي برنامج لإعادة الودائع الموجودة لديها من قبل الأزمة،مع العلم أنها كانت لغاية العام 2020 تسمح (وبنسب مختلفة) للمودعين بالسحب نقداً من حسابهم مبلغاً شهرياً بالدولار الأميركي. وكأن المصارف تتهرب حالياً، لا بل تعترض على أي برنامج يلزمها بالتسديد نقداً بالدولار لقسم من الودائع القديمة كما فعلت عندما طرح مصرف لبنان فكرة التعميم 166 الذي تمّ البدء بتطبيقه منذ حوالي ثلاثة أشهر، حتى أن بعض المصارف لم تبدأ لغاية اليوم بدفع الأموال للمودعين ضمن هذا التعميم. السؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا هذا التهرُّب، وهل هو متعمّد أم لا ؟
من المؤكد أن المصارف تكبدت خسائر كبيرة منذ بداية الأزمة، خاصة وأن دورها أصبح منقوصاً، فهي من ناحية لم تعد تساهم في دعم القطاعات الإقتصادية المحلية عن طريق تسليف هذه القطاعات كي تطور أعمالها، كما أنه من ناحية أخرى لم يعد بإمكانها إستقطاب الودائع وذلك لإنعدام ثقة المودعين بها. لكنها وبالرغم من كل ذلك تستمر بالعمل، مما يعني أنها تأقلمت مع الوضع القائم وتستمر بتكوين المؤونات لإلتزاماتها حتى أن البعض منها يتباهى بأن نسبة مؤوناته تفوق الـ20% من إلتزاماته. من هنا نسأل كيف لمؤسسة مالية الإستمرار بالعمل مع تراكم الخسائر لديها على مدى 5 سنوات!؟
للأسف لا نستطيع التعويل على غالبية البيانات المالية المقدمة من المصارف لإستخلاص حقيقة وضعية هذه المؤسسات وذلك لعدم مصداقية وشفافية هذه البيانات.
وبالعودة إلى المودعين، نستنتج بغياب أي قرار صريح بشأن الودائع أن المودعين يجهلون لغاية اليوم مصير ودائعهم في المصارف، حتى أن البعض منهم يئس ويزداد قناعة بأنه فقد وديعته ولم يعد مودِعاً بل يتنبأ بأن يصبح مُودِّعاً لوديعته.
لذلك ومخافة من أن يضيع الحق وحرصاً على كرامة وإمكانيات المسمَّيين مودعين نوصي بما يلي :
- نحثُّ المسؤولين السياسيّين على الإسراع بطرح خطة إنقاذ للبلد بدءاً من إنتخاب رئيس للجمهورية مروراً بتفعيل دور الهيئات الناظمة والمؤسّسات بوجه عام والرقابيّة بوجه خاص. نذكِّر بهذا الخصوص، أن هناك غياباً تاماً لأي قرار موحّد من المسؤولين للشروع بخطة إنقاذ للبلد المستمر بالتهاوي.
- نحثّ السلطات المالية والنقدية على الإسراع بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وذلك للتخلص من المصارف المتعثرة، وتفعيل دور لجنة الرقابة على المصارف للسهر على التطبيق الفوري والكامل لتعاميم مصرف لبنان، والتحقق من مصداقية البيانات المالية الصادرة عن هذه المصارف.
- كما ونحثّ المصارف بالتعاون مع هذه الإدارات على طرح خطة برمجة تسديد الودائع بحيث تكون غير مجحفة بحق أيٍّ من المودعين.
بالختام، نكرر أنه في ظل غياب أي طرح جدّي لإعادة الودائع، ومع تزايد الخوف من الشّروع إلى شطب هذه الودائع (أو قسماً منها) مما سوف يؤدي إلى ردة فعل عنيفة من المودعين، نؤيد ما يتم تداوله بأن مصرف لبنان يدرس فكرة جديدة تسمح للمودع بالسحب بالليرة اللبنانية مبلغاً ما (يقال يوازي $ 250 شهرياً) وذلك على سعر الصرف المتداول أي حوالى 89000 ل.ل. للدولار. نتمنى أن تُعتمد هذه الفكرة وأن تشمل كل المودعين دون إستثناء بمن فيهم الذين حوّلوا ودائعهم بعد الأزمة من الليرة اللبنانية إلى الدولار الأميركي على سعر صرف 1500 ليرة للدولار لأن هؤلاء المودعين تصرفوا ضمن القوانين المعمول بها آنذاك. من هنا، فمن غير المنصف حرمان هذه الشريحة من المودعين من حق الإستفادة من أي تعميم جديد يجيز السحب نقداً لمبلغٍ ما من الودائع بالدولار الأميركي.
د. هلال محمود داعوق