بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 حزيران 2024 12:01ص بعد نتائج منتدى بطرسبورغ الدولي في دورته الـ27، ما هي ملامح النظام الاقتصادي العالمي الجديد؟

حجم الخط
عُقِد منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي في نسخته السابعة والعشرين في الفترة من 5 إلى 8 يونيو 2024، تحت شعار «أساس عالم متعدّد الأقطاب هو تشكيل نقاط نمو جديدة». حضر المنتدى أكثر من 17 ألف شخص، بينهم أعضاء في الحكومة الروسية وممثلو شركات كبرى، إضافة إلى رؤساء دول وممثليها، ما جعل المنتدى حدثاً بارزاً على الساحة الاقتصادية الدولية.
في هذا الشأن، كشف منظمو المنتدى عن إبرام 1073 اتفاقية بقيمة إجمالية بلغت 6.5 تريليون روبل (حوالي 73 مليار دولار)، منها 55 اتفاقية مع شركات أجنبية. وصرّح أنطون كوبياكوف، مستشار الرئيس الروسي والسكرتير التنفيذي للجنة المنظمة للمنتدى، أن هذا العام شهد حصاداً قياسياً من الاتفاقيات، مما يعكس ثقة المجتمع الدولي في الاقتصاد الروسي وفرص الاستثمار فيه.
فضلاً عن ذلك، شارك في المنتدى ممثلون من 9 دول عربية، وكانت سلطنة عمان ضيف الشرف لأول مرة في تاريخ المنتدى، مما يعزّز التعاون الاقتصادي بين روسيا والدول العربية. إلى جانب توقيع الاتفاقيات، شهد المنتدى تبادل الآراء والخبرات بين صنّاع السياسة والمسؤولين وممثلي قطاع الأعمال من مختلف دول العالم، حيث تناولوا القضايا الاقتصادية الرئيسية والتحدّيات التي تواجه روسيا والأسواق الناشئة والعالم ككل.
وكان لافتاً أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حضر حفل الافتتاح شخصياً، حيث أكّد على أهمية المنتدى كمنصّة لتشكيل نقاط نمو جديدة في ظل نظام عالمي متعدّد الأقطاب. كما صرّح يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، أن سياسيين من أكثر من 45 دولة حضروا المنتدى، مما يعزّز من أهميته الدولية.
وفي كلمته خلال المنتدى، رسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملامح الاقتصاد العالمي الجديد، مؤكّداً أن النظام الأحادي القطب الذي تقوده الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لم يعد فعّالاً. وأشار إلى أن فشل التحالف الأميركي - الأوروبي في استثمار الحروب قد أفسح المجال لنظام اقتصادي متعدّد الأقطاب. وبيّن بوتين أن روسيا مستعدة لمواكبة التحولات التكنولوجية وتطوير القطاع المالي وخدمات النقل، خصوصاً مع نمو حركة المرور على طول ممرات النقل الدولية في أوراسيا بعيداً عن النفوذ التقليدي للغرب.
علاوة على ذلك، تطرّقت النقاشات خلال المنتدى لدور دول بريكس والاتحاد الأوراسي كبدائل مهمة للدول النامية من أجل تسوية معاملاتها التجارية والخروج من هيمنة النظام الاقتصادي الأحادي القطب. ولقد تمّت مناقشة كيفية تعزيز التعاون بين هذه الدول لضمان مصالحها الاقتصادية وتطوير بنية تحتية قوية تدعم نموّها المستدام.
والجدير بالذكر، أن فلسطين كانت حاضرة بقوة في المنتدى، حيث أكّدت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، على الدعم الروسي المتعدّد الأوجه للفلسطينيين. وأشارت إلى أن الوضع في فلسطين يمثل مأساة غير مسبوقة، مندّدة بالصمت الدولي تجاه الجرائم الإسرائيلية. ودعت زاخاروفا إلى زيادة الوعي حول هذه القضايا واستخدام المنابر الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي لكشف الحقائق.
أضف إلى ما تقدّم، أن روسيا انتقدت بشدّة شركة ميتا، المالكة لفايسبوك وإنستغرام، لدورها في حجب الحسابات التي تدعم القضية الفلسطينية وتلعب بالخوارزميات لفرض حظر على المحتوى المؤيد للفلسطينيين. ولقد تمّ التأكيد خلال المنتدى على أهمية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل فعّال لرفع الوعي وكشف الحقائق التي يتم التعتيم عليها من قبل وسائل الإعلام الغربية.
كما ناقش المنتدى أيضاً خسائر الاتحاد الأوروبي الكبيرة نتيجة لاستبدال الغاز الروسي، حيث أنفقت الدول الأوروبية حوالي 630 مليار دولار على هذا التحوّل، حيث أشار المشاركون إلى أن هذه التكلفة العالية تعكس اعتماد أوروبا الكبير على الطاقة الروسية والصعوبات التي تواجهها في تأمين مصادر بديلة للطاقة بنفس الكفاءة والتكلفة.
وقد شملت النقاشات في المنتدى موضوع التغيّر المناخي، حيث تم التأكيد على ضرورة تحميل الدول التي تسببت في تفاقم الاحتباس الحراري مسؤولية مالية. ودعا المشاركون إلى فرض عقوبات على هذه الدول لتمويل آليات التخفيف والسيطرة على الأضرار البيئية. وشدّدت المداخلات على أن مجلس الأمن الدولي يجب أن يعتبر هذه الممارسات تهديداً للسلام والأمن العالمي، ويتخذ إجراءات لمحاسبة الدول المسببة للخلل البيئي، مع التركيز على الولايات المتحدة كأحد أكبر المساهمين في التلوث البيئي.
كذلك، فقد أكّد المنتدى على أهمية دور الشباب في تطوير الاقتصاد من خلال الابتكار والتكنولوجيا. وشهدت فعاليات المنتدى عرضاً للعديد من الاختراعات والابتكارات التي تعكس قدرة الشباب الروسي على التغيير والتطور. كما تمّ التأكيد على دعم الصناعات الجديدة وتعزيز القدرات الإنتاجية والتصديرية لروسيا، ما يعزّز من مكانتها كقوة صناعية واقتصادية عالمية.
تأسيساً على هذا، يمكن القول أنّ الدورة السابعة والعشرون لمنتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي تميّزت بالتنوع والعمق في مناقشة القضايا الاقتصادية العالمية، من خلال توقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات، ورسم ملامح جديدة للاقتصاد العالمي، وتأكيداً لأهمية الابتكار ودعم الشباب، أثبت المنتدى أنه منصة فعّالة لتبادل الأفكار وتطوير العلاقات الاقتصادية الدولية.
ونختم بالقول، أنّه رغم التحدّيات التي فرضتها الحرب الروسية - الأوكرانية والعقوبات الغربية على روسيا، أظهر الاقتصاد الروسي مرونة كبيرة، حيث تمكّن الرئيس بوتين من الصمود أمام العقوبات بفضل علاقاته القويّة مع الصين ودول الشرق الأوسط، ولم تتأثر روسيا بشكل كبير بمقاطعة أوروبا للغاز الروسي، حيث وجدت أسواقاً بديلة واستمرت في تعزيز اقتصادها. وبهذا، يعزّز منتدى بطرسبورغ الدولي مكانته كحدث اقتصادي محوري يسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي المتعدد الأقطاب.