بيروت - لبنان

اخر الأخبار

تكنولوجيا

30 نيسان 2026 12:00ص الذكاء الاصطناعي.. من أداة تقنية إلى شريك في صناعة القرار

حجم الخط
العميد الركن المتقاعد جورج جاسر

يعيش النظام الدولي اليوم تحولاً بنيوياً عميقاً، لا تقوده جيوش أو أحلاف تقليدية، بل تصنعه خوارزميات تعمل في صمت وراء واجهات رقمية تبدو بريئة. منصات الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد أدوات تقنية لمعالجة البيانات أو دعم اتخاذ القرار، بل تحولت إلى بنى خوارزمية عابرة للحدود، تشارك بشكل متزايد في تشكيل القرار على المستويين الوطني والدولي. فهي لا تقتصر على تحليل المعلومات، بل تنتج أنماطاً من التفسير والتوقع والتوصية، ما يجعلها جزءاً من البيئة الفعلية التي يُصاغ داخلها القرار السياسي والاقتصادي والأمني. والسؤال الذي لم يعد مؤجلاً هو: أين تنتهي سلطة الدولة وأين تبدأ سلطة الآلة؟
في البُعد الأمني والاستخباراتي والعسكري، أصبحت هذه المنصات عنصراً بنيوياً في منظومات القوة الحديثة، حيث تُستخدم في تحليل البيانات الضخمة، ورصد التهديدات، ودعم القرار في الزمن الحقيقي. وقد أدّى هذا التطوّر إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والتكنولوجيا، من علاقة استخدام تقني إلى علاقة تشابك وظيفي، تصبح فيها هذه الأنظمة امتداداً غير مباشر للقدرات الأمنية للدول. وبهذا المعنى، لم يعد الفضاء السيبراني مجالاً مساعداً، بل تحول إلى ساحة عمليات متكاملة تتداخل فيها الخوارزمية مع القرار الاستخباراتي والعسكري.
جيوسياسياً، أصبحت منصات الذكاء الاصطناعي جزءاً من أدوات إعادة تشكيل النفوذ بين الدول، حيث لم يعد التنافس الدولي محصوراً في الجغرافيا أو الموارد التقليدية، بل امتد إلى السيطرة على البنية الرقمية وسلاسل القيمة التكنولوجية. فامتلاك هذه المنصات أو استضافتها أو الاعتماد عليها يمنح الدول قدرة على توسيع نفوذها خارج حدودها عبر الفضاء الرقمي، بينما يؤدي غيابها إلى خلق تبعية رقمية تجعل بعض الدول في موقع المستهلك للتكنولوجيا لا الشريك في إنتاجها. وهكذا يتشكل نظام دولي جديد تتداخل فيه التكنولوجيا مع الجغرافيا السياسية في إعادة تعريف موازين القوة.
اقتصادياً، أعادت منصات الذكاء الاصطناعي تشكيل منطق الاقتصاد العالمي من خلال التحكّم في تدفق البيانات وتوجيه أنماط الاستهلاك والاستثمار عبر أنظمة التوصية والتحليل التنبؤي. ومع تضخم قيمتها السوقية، باتت بعض الشركات الكبرى تمتلك قوة مالية تعادل أو تتجاوز اقتصادات دول كاملة، ما يمنحها قدرة فعلية على التأثير في القرار الاقتصادي عبر الاستثمار أو الانسحاب أو إعادة توجيه سلاسل القيمة العالمية. هذا التداخل بين رأس المال الرقمي والقرار الاقتصادي يجعل الحدود بين الدولة والسوق أكثر تداخلاً، ويحوّل الاقتصاد الرقمي إلى فضاء مشترك لإنتاج القوة.
وفي هذا السياق، يبرز الاقتصاد السياسي الرقمي بوصفه الإطار الأعمق لهذا التحوّل، حيث لا تعود الموارد الرقمية مجرد أدوات إنتاج، بل تصبح عناصر قوة استراتيجية تُستخدم في توجيه السياسات الاقتصادية على المستوى الدولي. فامتلاك البنية التحتية للبيانات أو مراكز المعالجة أو المنصات الكبرى يعني امتلاك قدرة على التأثير غير المباشر في قرارات الدول، عبر التحكم في مسارات الاستثمار والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد الرقمية.
سياسياً، لم تعد هذه المنصات أدوات محايدة لنقل المعلومات، بل أصبحت جزءاً من آليات تشكيل الإدراك العام عبر خوارزميات تتحكم في ترتيب المحتوى وانتشاره. فهي تحدد ما يُعرض، وكيف يُعرض، وبأي أولوية، ما يخلق بيئة معلوماتية غير متكافئة تنعكس على تشكيل الرأي العام داخل الدول. هذا التأثير لا يتم عبر التوجيه المباشر، بل عبر إعادة هندسة تدفق المعلومات بما يحدد الأولويات السياسية والاجتماعية، ويُسهم في تشكيل المزاج العام الذي يسبق القرار السياسي ويشارك في توجيهه.
في الحالة اللبنانية، تتجلّى فجوة واضحة بين التحوّلات العالمية والقدرة الوطنية على المواكبة. فرغم وجود اهتمام رسمي بملفات التحول الرقمي والتكنولوجيا وعلى الرغم من إنشاء وزارة متخصصة لذلك، إلّا أن غياب مركزية فعّالة في إدارة الذكاء الاصطناعي والسياسات الرقمية يحدّ من القدرة على بناء رؤية سيادية متكاملة. كما أن ضعف الإطار التشريعي الناظم للبيانات والأمن السيبراني يجعل التعامل مع المنصات الرقمية العالمية يفتقر إلى الضبط المؤسسي الكافي. ويظل التحدّي الأساسي ليس في تبني التكنولوجيا، بل في القدرة على حوكمتها ضمن رؤية وطنية تحولها من عنصر تبعية إلى عنصر قوة.
في المحصلة، لم تعد منصات الذكاء الاصطناعي أدوات تقنية محايدة، بل أصبحت جزءاً من البنية العميقة للقرار المعاصر. فهي لا تحلّ محل الدولة، لكنها تشارك في تشكيل المجال الذي تتحرك فيه الدولة نفسها، عبر تفاعل معقد بين البيانات والخوارزميات ورأس المال والتكنولوجيا. ومن يفشل في إدراك هذا التحول سيجد نفسه أمام واقع تُصاغ فيه السياسات في فضاء مشترك بين الإنسان والآلة، حيث تتداخل السلطة التقنية مع السلطة التقليدية في منظومة واحدة تعيد تشكيل مفهوم الدولة والسيادة في النظام الدولي الجديد.