21 أيار 2026 12:00ص آفة قد تتكرر!...

حجم الخط
آفة من آفاتنا هي! عايشتها منذ عهد الطفولة خلال الشهر المريمي (أيار) في بلدتي الكسروانية حريصا وخصوصا في محاذاة منزلي.
هذا حامل لوحة، وذاك أيقونة، وآخر كتاب توصية، وآخر غير ذلك من أدوات الاستجداء!
هذه حاملة طفلا قذرا، وتلك تجرّ وراءها سلسلة من صبية نصف عراة، وأخرى مرتدية ثيابا خلقا لا تستر عريها، وأخرى.. وأخرى... مما لا يحصيه عدّ...
تأمّل شابا في عنفوان الحياة مفتول الساعدين، متين البنية، مفترشا الغبراء عاريا إلّا من خرق - وكأنه التنين يشخر أو البعير يهدر - يستعطي ويستعطف... وإذا ما تجرأت على انتهاره او نصحه: قم اعمل عملا يجديك نفعا ويكفيك ذلّ السؤال، أجابك ببحّة لا مثيل لها: ربك لا يزحزحني ولا يثنيني عن تصرفي هذا!...
وما قولك في شاب آخر تمرّس في فن الاختلاج وبرع، يوهمك إذا اقتربت منه انه مشلول، وإذا ابتعدت عنه يعود مخلوقا سويا لا يشكو شللا ولا ألما على الإطلاق!...
وآخر يتسرّب إلى منزلك بحجة الاستعطاء فيسرق مالك ومتاعك...
لا يكتفي الشحاذ بالكلام والتباكي بل يعمد، لإثبات وجوده، إلى اللمس والجذب فيوقفك بكل قحّة ويتفرّس فيك، ويسمعك كلمات نابية، بل شتائم بذيئة...
وبكلمة، نحن أمام جيش عرمرم لا يقهر يغزونا في النادي والمقهى والشارع وعلى أبواب الكنيسة والمسجد والبيت...
لا ينكر ان هناك فئتين من الفقراء: فئة المحتاجين المتسترين والعجزة والمشوّهين الذين لا قدرة لهم على العمل، وهم، أساسا، نفر قليل يشعر من يلتقيهم ان الفاقة تنهشهم نهشا، وتلك الفئة حرية بالمساعدة السخيّة والعطاء الجزيل - وفئة الشحاذين الذين احترفوا الشحاذة وداسوا كرامتهم ويعملون لدوس كرامة مواطنيهم وبلادهم، وتلك فئة المحتالين، واللصوص، والدجالين، والأثرياء المتسترين بالفقر ولهم أموال وأملاك شأنها أن تنعش المشاريع العمرانية والبنى التحتية على العموم. وكم من متفاقر متسول متجول تحت كل سماء، حتى في «أعلى» المستويات، اكتشف  التحقيق ان لديه البنايات السامقة والمال الحير حتى على أنقاض أبناء جلدته!
في القديم أنشأ بعض الخلفاء «التنبلخانة»، وقذفوا فيها بكل تلك القذارة ولم يجعلوا في طليعة المسؤولين والمجتمع، إلّا من عول على العمل وكسب لقمته بعرق جبينه. وهكذا قطعوا دابر الشحاذة وما إليها من موبقات!
فهلا تمثلت بهم حكومتنا الجليلة، ولا سيما بُعيد موجات النزوح المتفاقمة، فارتاحت (بعد طول عناء!) واراحت المجتمع برمّته!

أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه