21 أيار 2026 12:30ص لا عفو دون عدالة.. وبلا إستنسابية وإنتقائية

حجم الخط
لم يكن سقوط مشروع قانون العفو في اللحظة الأخيرة مجرد تعثّر تشريعي عابر، بل شكّل انتكاسة إنسانية وسياسية وقضائية في آن واحد، بعدما ارتفعت آمال آلاف العائلات بأن يحمل عيد الأضحى بارقة انفراج لأبنائها الذين أمضى كثير منهم سنوات طويلة خلف القضبان، بعضهم بأحكام، وبعضهم الآخر بلا محاكمات مكتملة أو قرارات قضائية نهائية. وما يزيد من مرارة المشهد أن ما حصل لم يكن مفاجئاً بالكامل، بل بدا نتيجة طبيعية لتراكم المزايدات السياسية. 
لقد أثبتت التجربة اللبنانية، مرة جديدة، أن أي مشروع عفو لا يحظى بأوسع توافق سياسي ووطني ومذهبي يبقى معرضاً للسقوط عند أول اشتباك داخلي. فالعفو بطبيعته ملف شديد الحساسية، لا يمكن تمريره بعقلية الغلبة أو بمنطق «تطييب خاطر» هذه الفئة أو تلك، بل يحتاج إلى مقاربة متوازنة تحترم العدالة وتراعي المساواة بين جميع السجناء، بعيداً عن الانتقائية والاستنسابية.
ومن هنا، فإن الخلل الأساسي الذي رافق النقاشات الأخيرة تمثل في تنامي شعور شريحة واسعة من اللبنانيين بأن هناك تمييزاً بين فئات السجناء، وكأن بعضهم يحظى برعاية سياسية أو طائفية تفتح أمامه أبواب التسويات، فيما يُترك آخر لمصيرهم في الزنازين المنسية. وهذا الشعور بالغ الخطورة، لأنه يضرب جوهر فكرة الدولة العادلة التي يفترض أن تتعامل مع مواطنيها بمعيار قانوني واحد، لا بمعايير النفوذ والغطاء السياسي والطائفي.
وتبرز هنا خصوصية ملف الإسلاميين الموقوفين، والذي بقي لعقود مادة للتجاذب والاستثمار السياسي، بدل أن يُعالج قضائياً وإنسانياً بصورة عادلة وشفافة. فثمة عدد كبير من هؤلاء أمضوا سنوات طويلة في السجون من دون محاكمات سريعة أو أحكام نهائية، وهذا الواقع لا يمكن تبريره أو التغاضي عنه، لأن العدالة البطيئة تتحول مع الوقت إلى شكل من أشكال الظلم المقنّع، خصوصاً عندما يشعر الموقوف أن ملفه مؤجل بسبب هويته السياسية أو المذهبية لا بسبب الوقائع القانونية المرتبطة به.
وفي المقابل، فإن المطالبة بإنصاف هؤلاء لا تعني حكماً الدعوة إلى عفو عشوائي أو مفتوح يتجاوز الجرائم الخطيرة أو الحقوق الشخصية أو مقتضيات الأمن الوطني. فالدولة مطالبة بالموازنة الدقيقة بين مقتضيات الرحمة والاعتبارات الإنسانية من جهة، وضرورات العدالة وحماية المجتمع من جهة أخرى. لذلك فإن أي صيغة جدية للعفو يجب أن تقوم على معايير قانونية واضحة تشمل تخفيف الاكتظاظ في السجون، وإنصاف من طالت توقيفاتهم بلا محاكمات.
أما الأخطر في استمرار التعاطي المرتبك مع هذا الملف، فهو تكريس الانقسام الطائفي حول مفهوم العدالة نفسه. إذ لا يجوز أن يشعر أي مكوّن لبناني أن أبناءه يُعاملون كـ«أولاد جارية»، فيما غيرهم «أولاد ست»، لأن مثل هذا الإحساس يولد احتقاناً مزمناً ويفتح الباب أمام مزيد من فقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها القضائية والسياسية.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة اليوم لإعادة فتح الملف بعيداً عن الانفعالات والمزايدات، والعمل على إنتاج صيغة متوازنة تحظى بأوسع توافق وطني ممكن، وتؤكد أن العدالة لا تتجزأ، وأن المساواة بين السجناء ليست منّة من أحد، بل حق دستوري وإنساني.
وما جرى أمس أدى إلى تأجيل إقرار مشروع  قانون العفو، مرة أخرى، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً!