21 أيار 2026 12:15ص من ممثلين إلى بصّامين: الشارع السنّي يُسقط صفقة العفو العام يُحاكم من ساوم على كرامة الموقوفين الإسلاميين

حجم الخط
في مشهدٍ دراماتيكي حبس أنفاس الساحة اللبنانية، تداخلت حسابات السياسة بجمر الشارع الملتهب لتعيد صياغة المشهد التشريعي برمّته؛ فبينما كان الشارع السنّي يغلي من طرابلس إلى صيدا احتجاجاً على ما سُرّب من صيغ ملغومة لقانون العفو العام، وفي وقتٍ كان السجناء الإسلاميون في مبنى «ب» في سجن رومية يلوّحون بانتفاضة سجون شاملة ردّاً على استثنائهم، جاء بيان رئيس مجلس النواب نبيه بري ليطيح بالجلسة التشريعية المفترضة الخميس، معلناً تأجيلها تحت مسمّى «غياب التوافق الوطني» وبفزاعة «التحريض الطائفي والمذهبي». ولم تكن جلسة اللجان النيابية المشتركة التي مهّدت لهذا الانفجار مجرد محطة عادية لتدوير زوايا القوانين، بل كانت مرآةً صقيلة انقشعت فيها آخر مساحيق التجميل عن وجه ما يُسمّى «التمثيل السُّنّي» في البرلمان اللبناني؛ هناك، تحت قبة البرلمان وبمباركة وحضور لافت من نواب طالما ادّعوا حمل أمانة البيئة المغبونة، وُلد مسخٌ تشريعي سُمّي زوراً بـ «العفو العام»، بينما هو في جوهره صيغة مقايضة رخيصة كرّست المظلومية المزمنة ولم ترفعها، قبل أن يسارع رئيس المجلس إلى سحب الفتيل منعاً للانفجار الشامل، واضعاً رصاصة الرحمة على مهزلة «التوافق» الزائف، بعد سقوط الأهلية السياسية والأخلاقية لمن ارتضى من نواب السُنّة دور «البصّام».

• «الغربال السياسي» وتشريع العقوبة المسبقة

طوال ما يزيد على عقد ونصف، لم يكن ملف الموقوفين الإسلاميين مجرد قضية قضائية معقدة قابعة في أدراج المحاكم العسكرية والعدلية، بل تحوّل في الوجدان الشعبي والسياسي إلى عنوان صارخ لعدالة بطيئة، انتقائية، وكيدية، تُدار بميزان القوى السياسية والأمنية لا بأحكام القانون. إن الخطيئة الكبرى التي شرعنها بعض نواب السُنّة بحضورهم وتغطيتهم لجلسة اللجان المشتركة، هي التغاضي المريب عن حقيقة دستورية وحقوقية دامغة؛ وهي أن «التوقيف الاحتياطي المديد» تحوّل في لبنان إلى عقوبة قائمة بذاتها، بل عقوبة مسبقة تُنفذ بلا حكم قضائي.
لقد أمضى مئات الشبان سنوات وعقوداً خلف القضبان دون صدور أحكام نهائية بحقهم، في فترات احتجاز توازي أو تتجاوز العقوبات القصوى التي كان يمكن أن تصدر بحقهم أصلاً لو قُدّر لهم المثول أمام محاكمات عادلة وسريعة ضمن مهل زمنية معقولة. وبدلاً من أن يشكّل النواب السُنّة جبهة تفاوضية صلبة ترفض هذا الموت السريري الممنهج لأبناء طائفتهم، وتفكك العقلية الأمنية الكيدية التي ألبست الشبهات ثوب «الإرهاب» الجاهز، قبلوا بالتحول إلى شهود زور على «غربال سياسي». هذا الغربال الذي جرى تفصيله في كواليس التسويات، يسمح بمرور ملفات تجار المخدرات الكبار ومروجيها لغايات طائفية معلومة، ويفتح الباب لتسوية أوضاع المبعدين الفارين إلى الكيان الإسرائيلي، في حين يستثني القضايا الوجدانية لبيئة النواب السُنّة تحت ذريعة الاستثناءات الحسّاسة وهيبة المؤسسة العسكرية.

• الأرقام السوداء تعرّي «الفخ التشريعي»

بينما كان النواب يتبادلون الابتسامات والتهاني باجتياز القانون معبر اللجان المشتركة صوب الهيئة العامة، كانت الأرقام الحقيقية المهرّبة من خلف الجدران المظلمة تكشف حجم الفخ التشريعي والدقّة الخبيثة في صياغة البنود التي ورطوا بيئتهم فيها:
- عفو لـ ٢٥ شخصاً فقط! كشف التمحيص في النصوص المسرّبة عن تمييز قانوني دقيق وعن عمد بين «الموقوف» و«المحكوم»؛ فمن لجأ إلى تمييز حكمه أمام المحاكم يُصنّف محاكَماً لا موقوفاً. النتيجة المقززة هي أن القانون بصيغته الراهنة لن يشمل عملياً بالبراءة والإطلاق الفوري إلا ٢٥ شخصاً من أصل ١٤٠ موقوفاً لبنانياً في الملف الإسلامي، في حين لن تحصد الغالبية الساحقة سوى «تخفيض صوري» للعقوبات يبقيهم خلف القضبان لسنوات أخرى.
- ٨٣% يقبعون بلا محاكمة: يتوزع ملف الموقوفين الإسلاميين (اللبنانيين والأجانب) على نحو ٤٠٠ سجين، الصدمة الكبرى أن ٨٣% منهم موقوفون احتياطياً ولم تُعقد لهم جلسة محاكمة واحدة أو حاسمة حتى اليوم! شباب جرى اعتقالهم بناءً على شبهة إلكترونية، أو «لايك» على فيديو، أو تقرير مخبر سري كيدي، ليجدوا أنفسهم منسيين في زنازين سجن رومية المركزي دون حق الدفاع عن النفس.
- مقابر السجون الجماعية: تعمل السجون اللبنانية اليوم بكفاءة تدميرية نتيجة تخطيها ٣٣٠% من طاقتها الاستيعابية، حيث تتحدث بعض المعلومات عن أن ٤٨ سجيناً فارقوا الحياة العام الماضي داخل العنابر نتيجة الإهمال الطبي الممنهج، انعدام الرعاية، والتعذيب النفسي والجسدي، لينضم إليهم ١١ اسماً جديداً في الأشهر الأولى من عام ٢٠٢٦.
- ١٢٠٠ محتجز بالقرائن الأمنية: يرزح أكثر من 1200 شخص في الاحتجاز الإداري والأمني بناءً على «إشارات أمنية» ووثائق اتصال كيدية ومذكرات غيابية، دون أي مذكرة توقيف قضائية رسمية صادرة عن قاضي تحقيق.
أمام هذا الواقع المأساوي، تحوّلت أروقة المجلس إلى بازار لتقاسم الجبنة الطائفية؛ الثنائي الشيعي يستنفر لحماية المدانين بجرم المخدرات وتخفيض سنتهم السجنية، وبعض الكتل المسيحية ترفع سيف «دماء العسكريين» لمنع العفو عن أي موقوف إسلامي، في حين وقف بعض نواب السنّة بلا أنياب، مفرطين بأوراق قوتهم التشريعية، ومقدمين دماء أبناء بيئتهم قرباناً للبقاء في جنة النظام.

• السقوط التمثيلي وانفجار الشارع السنّي

إن الأداء الهزيل لعدد من النواب السُنّة تسبب في إحداث شرخ طولي وانفصام كامل بينهم وبين نبض الشارع السنّي الملتهب في طرابلس، وعكار، وبيروت، وصيدا، والعرقوب، وعرسال. فبينما كانت الصالونات التشريعية تطبخ الصفقة المشوهة، كان الشارع يعيش حالة غليان غير مسبوقة.
لقد أدرك الأهالي أن القضية لم تعد تقنية بل مَسّ بكرامة الطائفة؛ فنزل آلاف المواطنين وعائلات السجناء ليفترشوا الأرض، حيث قُطع أوتوستراد البالما الحيوي باتجاهيه، وشُلت الحركة عند مدخل صيدا الشمالي وجسر الأولي، تزامناً مع رسائل إنذار نارية وجّهتها الهيئات الإسلامية وعائلات الموقوفين إلى النواب السُنّة مباشرة: «من يغطّي استثناء أبنائنا فلن يطأ أرض الشمال».
هذا التناقض الصارخ يُعلن بوضوح سقوط الوكالة التمثيلية؛ فكيف يقبل «قادة الصدفة» بصيغة قانون تبحث وتُشرّع آليات معقدة لتسهيل عودة المبعدين الذين فروا إلى الكيان الإسرائيلي عام ٢٠٠٠ وتبرئتهم، في حين يُترك الشاب الطرابلسي أو البيروتي الذي جريمته الوحيدة أنه ناصر الثورة السورية إنسانياً أو سياسياً في غياهب السجون كـ«إرهابي مفترض»؟ إنها مقارنة وجدانية ساحقة حوّلت هؤلاء النواب في نظر الشارع من «مفاوضين أشداء» إلى «شهود زور» يبيعون الكرامة بفتات التسويات الائتلافية لضمان كراسيهم.

• بري: الهروب إلى الأمام وفزاعة «التحريض»

أمام ضربات الشارع السنّي المتلاحقة، والتحذيرات الأمنية الصارمة من مغبة حدوث انتفاضة مسلحة داخل سجن رومية، استشعر رئيس مجلس النواب نبيه بري خطر الانفجار الشامل الذي كاد يطيح بأسقف النظام الحاكم ككل. وبذكائه السياسي المعهود، سارع الأربعاء إلى إصدار بيان عاجل أعلن فيه تأجيل الجلسة التشريعية التي كانت مقررة الخميس.
وجاء في نص البيان الرئاسي ما يثبت صوابية صرخة المظلومية من حيث لا يدري واضعوه؛ إذ اعترف بري صراحة بأن «الوضع في السجون اتسم بتأخير مزمن في إصدار الأحكام الجزائية»، وهو إقرار رسمي من رأس السلطة التشريعية بأن الدولة تمارس عقاباً سادياً غير قانوني بحق الموقوفين. لكن الخطورة في البيان تمثلت في محاولة تبرير العجز والالتفاف على الغضب الشعبي، من خلال رمي التهمة على ما أسماه البيان «التحريض الطائفي والمذهبي الذي شوهد في أكثر من منطقة».
إن الهروب إلى فزاعة «التحريض الطائفي» هو القناع الذي ترتديه المنظومة دائماً لإجهاض أي مطلب حقوقي محق؛ فمطالبة أمهات الموقوفين بمحاكمة عادلة أو بعفو يرفع الظلم بعد ١٤ عاماً من الاعتقال التعسفي ليست تحريضاً مذهبياً، بل هي صرخة كرامة في وجه نظام طائفي يوزع صكوك الغفران والجرائم وفقاً لموازين القوى المسلحة. إن بيان التأجيل لم يكن حرصاً على العفو، بل كان طوق نجاة طُرح للنواب السُنّة الذين تيبست الدماء في عروقهم خوفاً من مواجهة ناسهم بعد أن انكشفت صفقتهم في اللجان المشتركة.

• السقوط الأخلاقي ومقايضة الكرامة بالإنسانية المنسية

خلف النصوص القانونية الجافة والمناورات السياسية وبيانات التأجيل، تقبع المأساة الحقيقية التي أسقطت النواب السُنّة أخلاقياً؛ مأساة لعشرات ومئات القصص الإنسانية المكتوبة بالدم والدموع والفقر. نحن نتحدث عن زوجات أمضين زهرة شبابهن على عتبات المحاكم العسكرية، وأطفال كبروا وصاروا شباباً وتزوجوا وهم لم يلمسوا أيدي آبائهم إلّا من وراء الحواجز الزجاجية الشائكة في رومية، وعائلات دُمرت اقتصادياً واجتماعياً تحت وطأة وصمة «الإرهاب» الجائرة.
الأخلاق السياسية المقترنة بالحد الأدنى من النخوة كانت تفرض على هؤلاء النواب أن يدركوا أن قضية الموقوفين الإسلاميين ليست «بازاراً» لتقسيط العقوبات وتخفيضها (كتحويل المؤبد إلى ٢٠ عاماً والإعدام إلى ٢٥ عاماً)، بل هي معركة لانتزاع اعتراف صريح ومكتوب من الدولة اللبنانية بأن طول التوقيف وتأخر المحاكمات شَكَّلا ظلماً موصوفاً يرتقي إلى مرتبة الجريمة الرسمية، مما يستوجب العفو العام الشامل غير المشروط كنوع من العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية الشاملة. إن القبول بعفو مجتزأ يفرضه الفيتو الأمني للأطراف المهيمنة هو بمثابة صك براءة يمنحه النواب السُنّة للمنظومة القضائية والأمنية التي نكّلت ببيئتهم على مدى عقد ونصف العقد.

• تمديد في مقبرة التاريخ

إن الموقوفين الإسلاميين في وجدان الشارع السنّي ليسوا مجرد أرقام صماء في سجلات مصلحة السجون، بل هم الشاهد الحيّ على غياب مفهوم المواطنة الكاملة والعدالة المتساوية في كينونة هذا النظام؛ وحين تعجز الدولة عن تمويل طبابة سجنائها وعن توفير قضاة لمحاكمتهم، يصبح العفو العام فرضاً إنسانياً وأخلاقياً لا ترفاً سياسياً خاضعاً للمقايضة بملفات تجار المخدرات.
لقد أثبت الشارع السنّي في طرابلس وصيدا وبيروت، ومعه السجناء في أمعائهم الخاوية داخل رومية، أنهم الرقم الأصعب في المعادلة، وأنهم نجحوا في الإطاحة بالجلسة التشريعية وفرض التأجيل بعباءة الرئيس بري، قبل أن يتمكن نوابهم من النطق بكلمة حق واحدة. إن بيان التأجيل الصادر ليس نهاية المطاف، بل هو تجميد مؤقت لفتيل الانفجار؛ فإما أن تعود القوى السياسية إلى رشدها لإنتاج قانون عفو حقيقي يفرض الإنصاف ويرمم الثقة المفقودة مع الدولة، وإما صيغة مشوهة جديدة ستجعل من الشارع والسجون ساحة مواجهة مفتوحة. أما أولئك النواب السُنّة الذين باركوا الصفقة، فإن «تأجيل» الجلسة لم يمنحهم براءة ذمة، بل مدّد إقامتهم السياسية داخل مقبرتهم الأخلاقية والتمثيلية بعد أن أثبت الشارع أنه قادر على انتزاع حقوقه.. براءً من نوابه.