البلطجية: باشوات وصدور عظام وقادة ومروءة وشهامة
حجم الخط
منذ عام 2011، ومنذ اندلاع ثورات ما سمي «الربيع العربي» انتشرت في العالم العربي مصطلحات تتوافق مع الأحداث الطارئة التي أثرت تأثيراً مباشراً في تصرفات وثقافة الأفراد والمجتمع وفي مقدمتها مصطلح «بلطه جي» الذي استخدم– وما يزال – في غير محله. فقد كانت فرقة البلطجية في العهد العثماني فرقة خاصة بحراسة الحريم السلطاني، ولمرافقة السلطان العثماني في تنقلاته، كما استخدمت فرقة البلطجية في وظائف مهمة في أثناء أداء الجيش العثماني لمهامه العسكرية بما فيه الحروب وشق الطرقات وقطع الأشجار.
ومن الأهمية بمكان القول، بأن «فرقة البلطجية» كانت فرقة تتميز بالجرأة والإقدام، وباستخدام الفؤوس المعدنية (البلطات)، وكان العثمانيون يخافون هذه الفرقة بسبب قوة عناصرها وإِقدامهم. ولم تشر المصادر التاريخية إلى أعمال فوضوية أو غير قانونية أو غير شرعية أقدمت عليها هذه الفرقة، غير أنه من الملاحظ، أن بعض العثمانيين من الرعاع والفوضويين بدأوا يحملون الفؤوس في بعض الشوارع والحارات والأزقة والأحياء لتخويف العثمانيين، وفرض الخوات عليهم، وسلب موادهم الغذائية، الأمر الذي أدى إلى انتشار مصطلح «البلطجية» في الدولة العثمانية وما بعدها على غير المضمون الأساسي لأعمال فرقة البلطجية المنوطة أعمالها بالسلطان العثماني والجيش العثماني، وأصبحت كلمة «بلطجية» تعني الفوضى و»السلبطة» وفرض الأتاوات والخوات، ونشر الفوضى. وما تزال كلمة «بلطجي» في مصر وبعض مدن بلاط الشام لها معنى سيء وسلبي بخلاف معناها الأساسي الذي كان مضمونه مضموناً إيجابياً. كما عرفت الدولة العثمانية فرقة فدائية وجريئة تتقدم الجيوش حاملة للبلطة عرفت باسم «دالي بلطه».
لقد انتشرت في بيروت وصيدا وفي مدن بلاط الشام ومصر الكثير من العائلات الكريمة تحمل اسم بلطجي، ودالي بلطه وقد تولى بعضها مناصب سياسية وعسكرية مهمة جداً.
وبلطجي من الأسر الإسلامية البيروتية والصيداوية والطرابلسية، كما حمل هذا اللقب أكثر من أسرة لبنانية وعربية وعثمانية. وبما أن هذا اللقب يعود إلى مهنة، فإنه لا قرابة تربط بين جميع فروع هذه الأسرة، باستثناء بعض الفروع، مثل فروع صيدا وبيروت؛ كما أن بعضها يعود بنسبه إلى العناصر العربية، والبعض الآخر يعود بأصوله إلى العناصر التركية، كما أن أسرة بلطجي الأعظمي تعود بنسبها إلى الأعظمية في العراق، فضلاً عن فروع للأسرة من أصل فلسطيني ومصري. قامت الأسرة في العهد العثماني بدور سياسي وعسكري بارز، برز منها القائد العسكري محمد باشا البلطجي (1660-1712م) كما تولى منصب قبودان باشا، كما أصبح رئيساً للوزراء (صدر أعظم) تولى حكم أرضروم وحلب، وانتصر على روسيا عام (1710م)، توفي منفياً.
أما أسرة بلطجي البيروتية، فتعود بجذورها إلى أسرة بلطجي الصيداوية، وقد تميز أفرادها بالجرأة والإقدام منذ العهد العثماني وقد أسهموا في الدفاع عن الثغور العربية والإسلامية. وعلى وجه الإجمال، فإن أسرة البلطجي في بيروت المحروسة قد قامت بدور بارز في الدولة العثمانية، وفي مرفأ بيروت حيث ارتبط اسم المرفأ باسم الأسرة وباسم أسرة شهاب الدين البيروتية، حتى عام (1975م).
برز من الأسرة، السادة: خليل بلطجي مرشد السفن الشهير في مرفأ بيروت، وكان مسموع الكلمة، ويتميز بنفوذ مهني واجتماعي. كما عُرف رضوان إبراهيم بلطجي الذي أسهم بإنقاذ جميع ركاب الباخرة الشهيرة «شامبليون» عام (1953)، التي جنحت نحو شاطئ منطقة الإمام الأوزاعي (رضي الله عنه).
وعرف من الأسرة أيضاً السادة: الحاج محمد رضوان بلطجي، المتوفى في (28 نيسان 2008م)، أحد أصحاب محطة إرشاد السفن في مرفأ بيروت، وعُرف نجلاه: الحاج رضوان، والحاج بلال بلطجي، وشقيقه إبراهيم رضوان بلطجي، وصهره وليد بلطجي. وعُرف من الأسرة السادة: إبراهيم، إبراهيم خليل، إبراهيم محمد سعيد، إبراهيم يوسف، أحمد حلمي فؤاد، أحمد محمد، إيهاب محمد سعيد، باسل سميح، بلال محمد، حسن صلاح، حلمي فؤاد، خالد فؤاد، رضوان محمد، زكريا، زياد فؤاد، سامي إبراهيم، سميح خليل، سمير محمد، صلاح إبراهيم، صلاح الدين إبراهيم، طارق أحمد، عبد محمد، عبد الله فضل، عزت حلمي، علي عبد الحميد، عمر خالد، عوني عفيف بلطجي أحد المسؤولين في وزارة المالية سابقاً، وأحد مسؤولي بيت التمويل العربي، محمد إبراهيم، محمد أحمد، محمد رضوان، محمد علي محمود، محمد محمود، محمد مصطفى، محمود، محمود إبراهيم، محمود محمد، مصطفى عفيف بلطجي أحد متخرجي جامعة بيروت العربية، وأحد المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأميركية منذ ما قبل عام (1975م).
كما عرف السادة منذر يوسف، نبيل محمود، نجيب، نور الدين، هاني خليل، يوسف إبراهيم بلطجي وسواهم. والأمر اللافت للنظر أن بيروت المحروسة شهدت أسرة مسيحية قليلة العدد من أسرة بلطجي، منهم السادة: جورج وجان ورفقا جورج بلطجي وسواهم.
وبلطجي لغة واصطلاحاً من التركية «بالطة» أو «بلطة» بمعنى الفأس، و»جي» علامة النسبة في اللغة العثمانية، فيصبح معناها «حامل الفأس» أو «حامل البلطة». وفي الاصطلاح أطلق هذا اللقب على فرقة من حراس القصر السلطاني في الدولة العثمانية، كانت عدتهم تتألف من أربعمائة شخص تحت إمرة «قزلر آغاسي»، ومهمتهم حراسة حريم السلطان في السفر والحضر. أما رئيسهم المباشر، فقد كان يعبّر عنه باللغة العثمانية بلفظ «بالطة جيار كخياسي» (أنظر: حسان حلاق، عباس صباغ: المعجم الجامع في المصطلحات العثمانية ذات الأصول العربية والفارسية والتركية والأيوبية والمملوكية، ص 38-39). (أنظر أيضاً: د. حسان حلاق: موسوعة العائلات البيروتية، المجلد الأول).






