بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 كانون الثاني 2026 12:00ص الكنعانية والفينيقية ما بين المعرفة التاريخيّة وتوظيف الامتيازات لإسقاط الدولة اللبنانية

حجم الخط
في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم لا يكون الخطر الأكبر في الجيوش ولا في الانهيارات الاقتصادية وحدها، بل في الأفكار التي تنتشر كالفيروسات مستفيدة من ضعف الدولة وانهيار الثقة العامة وتآكل مفهوم العقد الاجتماعي.
يعيش لبنان اليوم إحدى هذه اللحظات، دولة تتهاوى ومؤسسات مشلولة ومجتمع مرهق. وفي هذا الفراغ تعود سرديات «قديمة جديدة» تُقدَّم في ثوب ثقافي أو علمي أو هويّاتي لكنها في جوهرها مشاريع سياسية لإعادة إنتاج الانقسام ونُظم الامتيازات البائدة المتجددة. ومن بين أخطر هذه السرديات ما يُرفع كشعار الإنتماء البيولوجي «للكنعانية» أو «الفينيقية» ولنتفاجأ مؤخراً بمن يطرح سردية «الدُر أراز» التي صنعت الشرق وتمتد لأكثر من سبعة آلاف سنة! لا بوصف هذه العناوين موضوعاتٍ للبحث التاريخي بل كسلاحٍ أيديولوجي موجَّه ضد الثقافة العربية وضد الإسلام وضد أي تصور جامع للدولة والمواطنة.
علمياً لا خلاف بين المؤرخين الجادّين على أن الحضارة الكنعانية تمثّل إحدى أقدم الحضارات السامية في بلاد الشام وأنها تشكّل جذراً ثقافياً ولغوياً مهماً في تاريخ منطقتنا. لكن ما يجري اليوم ليس نقاشاً أكاديمياً حول الكنعانية بل عملية اجتزاء متعمّدة، يُفصل فيها هذا المكوّن عن سياقه السامي الجامع ويُعاد تعريفه كهوية مغلقة نقيضة ومعادية للعروبة والإسلام.
هذا الاستخدام ليس بريئاً، إنه يعيد إنتاج منطق استعماري قديم سعى إلى تفكيك المشرق إلى «هويات ما قبل عربية» وضرب اللغة العربية بوصفها وعاءً جامعاً، وصناعة نخب ثقافية مرتبطة بالمركز الكولونيالي. وهنا المفارقة الكبرى، يُقدَّم هذا الخطاب على أنه «تحرّر من الأيديولوجيا» فيما هو في الواقع من أكثر الأيديولوجيات تكلّساً ورجعية إن لم نقل تخلّفاً.
وينطبق الأمر نفسه على الفينيقية. فالفينيقيون تاريخياً هم الكنعانيون الساحليون في مرحلة ازدهار تجاري بحري، والتسمية نفسها إغريقية لا تعكس وعياً ذاتياً مستقلاً ولا مشروعاً حضارياً منفصلاً. لكن في الخطاب اللبناني المعاصر رُفعت الفينيقية في مواجهة الإسلام وفي مواجهة العروبة، وأحياناً في مواجهة المشرق كله. ويُعاد تدويرها كـ«هوية بديلة» تُستخدم لتبرير الفرانكفونية الثقافية والارتباط بنظام الامتيازات الكولونيالية والخوف من الدولة الطبيعية الجامعة. وهنا يجب التوقف عند حقيقة أساسية، لا توجد في التاريخ حضارة استُخدمت لإقصاء محيطها دون أن تتحوّل إلى أداة صراع سياسي.
أما الحقيقة التي يُراد طمسها في ما يخص جبل لبنان قبل الإسلام، فمن أكثر الأكاذيب رواجاً في الخطاب التفكيكي المعاصر الادّعاء بأن جبل لبنان كان كياناً متجانساً ثقافياً ودينياً قبل الفتح الإسلامي. الوقائع التاريخية تنقض هذا الادّعاء، فعشية الفتح كان جبل لبنان وبلاد الشام عموماً فضاءً شديد التنوّع، آراميون ناطقون بالسريانية، ويونانيون هلنستيون في المدن، ورومان مشرقيون، وعرب مسيحيون سبقوا الإسلام، ويهود، ووثنيون محليون، وجماعات جبلية منعزلة... وتذكر بعض الدراسات/القراءات التاريخية أن عدد هذه الجماعات المنعزلة والمتقوقعة في جبل لبنان بلغ عشرات المجموعات، وكانت اللغات متعددة إلى حد أن التواصل بينها كان يتطلّب في كثير من الأحيان مترجمين. إذاً لم تكن هناك «هوية واحدة مهدَّدة» بل فسيفساء بشرية منعزلة عن بعضها البعض تعيش في ظل سلطة بيزنطية عسكرية مركزية لا تعترف بالتعدد إلّا بقدر خضوعه المطلق.
ولم يكن الفتح الإسلامي لبلاد الشام كما يُصوَّر في الخطاب الشعبوي مشروعاً غريباً لإلغاء الآخر، بل تحوّلاً سياسياً حضارياً إنسانياً أنهى نظاماً بيزنطياً أحادياً واحتضن التنوّع. كما أنهى اضطهاداً مذهبياً واسعاً واحتكاراً ثقافياً للسلطة. فالدولة الإسلامية الأولى اعتمدت الاعتراف بالجماعات الدينية، واستقلالاً نسبياً للمؤسسات الدينية ومرونة لغوية وإدارية. والأهم أن الانتشار الإسلامي في الشام تمّ إلى حد بعيد على حساب الوثنيات المتأخّرة والهلنستية لا على حساب المسيحية.
والمسيحيون أنفسهم كانوا منقسمين ومضطهدين من السلطة البيزنطية خصوصاً غير الخلقيدونيين. ولتأكيد ما سبق نقول إن مار يوحنا مارون شاهدٌ لا يناسب السردية السائدة، فتاريخ لجوء مار يوحنا مارون وأتباعه إلى مناطق الهرمل وشمال جبل لبنان بعد 50 سنة من الفتح الإسلامي هرباً من الاضطهاد البيزنطي، والعيش في ظل سلطة إسلامية أكثر تسامحاً ليس تفصيلاً ثانوياً بل شهادة تاريخية مفصلية. وهذا الحدث يكسر سردية «الإسلام الغازي للمسيحيين» ويكشف أن الخطر الحقيقي آنذاك كان الفكر الإمبراطوري الأحادي (بنو الأصفر وبنو الأحمر كما سمّاهم الفتح الإسلامي ومن شاركه من المسيحيين). كما يؤكد أن التعدد في المشرق حُفظ تاريخياً عبر أنظمة أكثر مرونة لا أكثر تشدّداً.
والادّعاء بأن الكنعانيين كانوا جميعاً وثنيين تبسيطٌ مُخلّ. فالمنطقة عرفت أشكالاً من التوحيد البدائي، عبادة الإله الأعلى «إيل» وتأمّلات أخلاقية وروحية وحركات دينية توحيدية سبقت اليهودية والمسيحية بصيغتهما المؤسسية. بالتالي لم يدخل الإسلام أرضاً خالية من التفكير التوحيدي، بل جاء في سياق تاريخي طويل من التحوّل الديني والفلسفي.
أما الحديث عن «نقاء عرقي» فلم يعد له أي قيمة علمية منذ زمن بعيد. علم الإنسان والوراثة يؤكدان أن التزاوج والانصهار سمة إنسانية ثابتة، الهويات البيولوجية تتبدّل والهويات الحضارية تُبنى بالثقافة واللغة والقيم. العروبة هنا ليست دماً ولا عِرقاً بل إطار حضاري لغوي جامع سمح لشعوب المنطقة ذات الأصول السامية المشتركة وغيرها بالانتقال من التشرذم إلى التواصل والتفاعل البنّاء.
ومن هنا فإن سردية تفكيك التاريخ المتّبعة تهدف فعلياً إلى تفكيك الدولة. ليس صدفة أن يتزامن هذا الخطاب مع ملاقاة سلطة محاصصة الميليشيات وضرب الدستور، التشكيك باتفاق الطائف المترافقة مع الترويج للفدراليات الطائفية، وتبرير الانعزال باسم «الخصوصية». هذه ليست مشاريع حماية بريئة بل آليات لإدامة الامتيازات ومنع قيام دولة دستورية ديمقراطية راعية وعادلة بين مواطنيها.
في مواجهة هذا الانحدار لا يكون الحل في استدعاء هويات متصارعة، بل في استعادة منطق «المدنيّة المنوّرة» دولة قانون، ومواطنة متساوية، وتعددية مصانة، وسلطة خاضعة للمساءلة، وعقد اجتماعي واضح. هذا النموذج يحمي المسيحي والمسلم وينقذ من حملوا لواء الامتيازات باسم المارونية أو الشيعية السياسية ويحرّر الجميع من الخوف المتبادل.
وتقع المسؤولية التاريخية اليوم على السُنّة قبل غيرهم لا بوصفهم طائفة، بل بوصفهم أصحاب مصلحة وجوديّة في قيام دولة فعلية وقادرين على قيادة مشروع وطني جامع يتجاوز منطق الردّ إلى منطق التأسيس.
ونقول للمغامرين مستحضري الماضي المشوَّه، إن التاريخ ليس مستودع أسلحة ولا بنك شعارات. وضمن المنطق العلمي الشمولي المتكامل نجد أن الكنعانية والفينيقية والعروبة والإسلام والمسيحية كلها طبقات متراكمة لهوية واحدة مركّبة. ومن يحوّل إحداها إلى أداة إقصاء لا يدافع عن الهوية بل يساهم في تفكيك الدولة. وحدها الدولة الدستورية الراعية بعقد اجتماعي عادل قادرة على إنقاذ الجميع من وهم الامتيازات ومن فوضى الانهيار المتتابع لسلطة محاصصة ميليشيات الإتفاق الثلاثي، في عالمٍ تحكمه القوة الغاشمة ومنطق العضلات.
أخبار ذات صلة