بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 شباط 2026 12:00ص المبادئ البيئية في الأمثال اللبنانية (1/2)

حجم الخط
المهندسة سناء السيروان

اعتمدت التشريعات البيئية اللبنانية الصادرة - لا سيما القانون الإطاري للبيئة 444/2002 على مبادئ عدة، بعضها يبدو جديدا في التسمية إلّا ان معظمها وارد في الأمثال الشعبية اللبنانية، دعوني اذكر بعضا منها:
• مبدأ «التنمية المستدامة»: وينص أنه علينا أن نرشّد استعمالنا لموارد الطبيعة بحيث لا نستهلكها بالكامل، ويجب أن لا نحرم الأجيال المقبلة من حقهم في الاستفادة من هذه الموارد. وهناك مثل شعبي يقول: «لا يموت الديب ولا يفنى الغنم» أو «لا الذئب جاع ولا الراعي اشتكى».
كما أن التنمية المستدامة تعني ضرورة حصول كل المخلوقات على حصتها من السلسلة الغذائية المترابطة، وذلك دون أن يستنفذ الإنسان أي عنصر منها بحيث تتفكك حلقة من السلسلة التي تعتمد عليها المخلوقات الأخرى للعيش.
نذكر جميعنا قصة - درسناها صغارا في كتاب القراءة العربية المصوّرة - عن شيخ عجوز كان يزرع نخلة، فمرّ به شاب وسأله: لماذا تزرع شجرة لن تثمر قبل سنوات وأنت كهل لن تأكل منها؟، فأجابه بقول مأثور لدينا هو: «زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون»، وهذه القصة تختصر مبدأ التنمية المستدامة وتعلّمنا ضرورة السعي إلى تجديد الموارد للحفاظ على استدامتها للأجيال القادمة.
• مبدأ «الاحتراس»: وينص أنه علينا أن نتجنّب كل ما من شأنه أن يلوّث البيئة أو يستهلك مواردها. وهناك العديد من الأمثال عن الموضوع أذكر منها: «ما تنام بين القبور وتشوف منامات وحشة»، «ما تقعد على وكر الدبابير وتقول هيدا (هذا) شغل التقادير (القدر)، «اللي بدو يلعب مع القط بدّو يلقى خراميشو (خرمشته)»، و«اللي بيفوّت (يدخل) الواوي ع القن ما لازم يسأل: وين راحوا صيصانو؟».
• مبدأ «العمل الوقائي»: وينص أنه علينا أن لا نكتفي بتجنب الإساءة للبيئة بل علينا أن نقوم بخطوات إيجابية لحمايتها مثل التشجير، منع الصيد في فترات توالد الطيور، منع قتل الطيور العابرة في مواسم الهجرة، عدم إدخال أنواع مستهجنة من النباتات، تأهيل المقالع، إلخ...  وهناك العديد من الأمثال في هذا الموضوع، أذكر منها: «درهم وقاية خير من قنطار علاج» و«زوان البلد ولا حنطة حلب» أو «شعيرنا ولا قمح غيرنا» (الأطعمة المعدّلة جينيا أو المهجّنة) و«الباب اللي بيجيك منو ريح سدّو (اغلقه) واستريح».
• مبدأ «الملوٍث يدفع» ومبدأ «مسؤولية المنتج أو المستورد أو البائع»: وينص البند الأول (الملوِث يدفع) إلى أن من يلوّث أي عنصر من العناصر البيئية كالمياه أو الهواء أو التربة عليه: أولا أن يقوم بإيقاف العمل المتسبب بالتلويث، ثم عليه ثانيا أن يقوم بتصحيح الوضع الذي تسبب بالتلوّث، ثم عليه ثالثا أن يعمل على إدخال إجراءات تخفيفية وتلطيفية للحد من التلوّث أثناء عمليته الإنتاجية، وعليه رابعا أن يدفع غرامة على أن تتجاوز قيمتها المادية كلفة تصحيح ما تسبب به ضرر على البيئة بحيث يقوم المسؤولون بتصحيح الوضع من الغرامة المستوفاة.أما البند الثاني (مسؤولية المنتج أو المستورد أو البائع) فينص على أن من يصنّع أو يستورد أو يبيع منتجا، عليه أن يكون مسؤولا عن استعادته والتخلص منه بطريقة صديقة للبيئة عند الانتهاء من استعماله أو تعطّله أو انتهاء عمره الافتراضي، خاصة وأن لبنان سبق ووقّع على اتفاقية بازل التي تمنع تصدير نفايات خطرة. أما بعض الأمثال الشعبية التي تتناول هذين البندين فهي: «اللي بيطلّع الحمار عالمادنة (المئذنة) بينزلو (ينزله)»، أو «السر ما هو بأكل الخروب، السر بتصريفو» أو «طابخ السم آكلو (آكله)» و«اللي يعقد العقدة بحلَها (يحلّها)».
• مبدأ الحفاظ على التنوّع البيولوجي: وينص تفادي النشاطات التي تتسبب بإصابة المكونات المختلفة للتنوّع البيولوجي بضرر. ويقول المثل: «الميِ (الماء) بالبير (بالبئر)، إصرفها بتدبير» أو «التدبير نص المعيشة». ان عدم المحافظة على التنوّع البيولوجي قد يحرم بعض المخلوقات من حقها في العيش ويدمّر موائلها الطبيعية مما قد يتسبب بانقراضها وبالاضرار بالإنسان لأن هناك دورا لكل مخلوق في السلسلة الغذائية، وأي إخلال بتواصل السلسلة يتسبب بقطعها ممّا يفترض محاولة تأفلم على سبل معيشة جديدة أو الموت فالانقراض. يقول المثل: «اللي ما ينبع بيخلص». 
• مبدأ التعاون: وينص على وجوب تعاون السلطات العامة والمحلية والمواطنين على حماية البيئة على كل المستويات. وتقول الأمثال: «إيد واحدة ما بتصفق»، «يد لله مع الجماعة»، كذلك علينا كمواطنين أن نراقب الأشغال/ الأعمال المضرّة بالبيئة ونتدخّل لإصلاحها إن استطعنا أو نرفع الأمر للمسؤولين لاتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المسيء للبيئة. بقول المثل: «المال السايب (أو الداشر) بيعلم الناس الحرام».
كما ينبغي عدم التقليل من أهمية أي عمل صديق للبيئة نقوم به كفرز النفايات من المصدر أو زرع شجرة في الحي لأنّ المثل يقول «رح ارمي هالطينة ع الحيط، إذا ما لزقت بيعلق أثرها»، أو «بزرة خروب بتسند خابية»، أو «الحبل ع الطولة (لمدة طويلة) بيقطع خرزة البير (البئر)»، أو «الماء قطرة قطرة تنقر الصخرة».
• مبدأ المشاركة: وينص على أن يكون لكل مواطن حق الحصول على المعلومات المتعلقة بالبيئة - وفقاً للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء - وأن من واجبات كل شخص أن يسهر على سلامة البيئة، ويساهم في حمايتها وأن يبلغ عن أي خطر قد يهدّدها. ويقول المثل عن التعاون والمشاركة: «حكلَي تا حكلَك، واسندلي تا حمِلَك»، «رغيف برغيف، ولا يبات جارك جوعان» أو «إيد على إيد البركة بتزيد» أو «شميلة (مكيال) ع شميلة بتشبع العيلة».
• مبدأ أهمية المعيار العرفي في الوسط الريفي: وينص على وجوب الأخذ بالعرف في حال انتفاء النص. والمثل الشعبي يقول: «اسأل مجرّب ولا تسأل حكيم» أو «أهل مكّة أدرى بشعابها». كما أن المصمم أو المموّل للمشروع قد لا يعرف التقاليد أو أهمية معلم ما في المنطقة فلا يحافظ عليه (وقد فشل العديد من المشاريع الإنمائية المموّلة من جهات مانحة بسبب رفض الأهالي المحليين لها)، ويقول المثل: «غريب وعبر ما داري (لا يدري) شو (ما) الخبر».
• مبدأ الاعتماد على المحفزات الاقتصادية: كأداة مراقبة وتنظيم وترغيب من اجل التخلص من كل مصادر التلوث و /أو التخفيف منها وتعزيز سياسة التنمية المستدامة. يقول المثل: «طعمي (أطعم) التم (الفم) بتستحي العين»، «يللي (من) بياكل (يأكل) من خبز السلطان، بيحارب (يحارب) بسيفو( سيفه)».
• مبدأ تفادي تدهور الموارد الطبيعية: وينص على تفادي كل النشاطات التي تتسبب بأضرار غير قابلة للتصحيح للموارد الطبيعية كالماء والهواء والتربة والغابات والبحر والأنهر وغيرها. ويقول المثل: «خود من التل بيختل» أو «لله يلعن اللي بيشرب (يشرب) من البير (البئر) وبيرمي (يرمي) فيه حجر».
• مبدأ مراقبة التلوث: الذي يهدف إلى الوقاية من التلوث والتحكم به في الأوساط البيئية كافة من ماء وهواء وتربة ونبات ونفايات بحيث لا تؤدي معالجة التلوث في الوسط البيئي إلى انتقال التلوث إلى وسط آخر أو التأثير عليه. ويقول المثل: «اللي ما بيوقف (يقف) ع ولادة عنزتو (عنزته) ما بتجيب (لا تنجب) له توم ( توأم)».
• مبدأ تقييم الأثر البيئي للاستراتيجيات والخطط والمشاريع كوسيلة للتخطيط والادارة من أجل مكافحة مصادر التلوث وتدهور الموارد الطبيعية أو تقليصها أو تصغير حجمها إلى أدنى حد. ويقول الحديث الشريف: «أعقلها وتوكّل»، ويقول المثل «الدارس ولا الفارس»، أو «أفهم الناس من ينظر إلى العواقب».
كذلك هناك العديد من الأفكار والسلوكيات الرافضة للمشاريع البيئية. أذكر على سبيل المثال:
1. يرفض جميع السكان وجود منشآت استثمارية أو معالجة للبيئة قربهم كمقلع أو معمل أو مزرعة حيوانات أو مطمر صحي أو محطة لجمع ومعالجة النفايات أو معمل لتكرير النفايات المبتذلة. وهذا المبدأ يطلقون عليه في علم البيئة (Not in my backyard= NIMBY)، ويقول المثل لدينا: «حادت عن ظهري بسيطة».
2. يرفض العديد من أصحاب القرار التدخّل لتنفيذ مشروع ما في عهده خاصة إذا لقي معارضة شعبية ويتركه لمن يليه بدلا من أن يعمل ويجدّ لإقناع السكان المتأثرين بالمشروع بأهميته ويؤكد لهم أنه نجح في إدخال تعديلات تخفف من آثار المشروع على البيئة والسكان المحليين. وهذا المبدأ يطلق عليه في علم البيئة ( Not in my turn of the office= NIMFY)، ويقول المثل: «من بعد حماري ما ينبت حشيش» أو «أنا وبعدي الطوفان» أو «تعمر ع أيام غيري ولا تخرب ع ايامي».
وأخيرا، أودّ أن أقول أنني اختصرت قدر الإمكان، واكتفيت بمثلين أو ثلاثة لكل مبدأ أو بند حتى لا اطيل عليكم. لكنني أودّ أن أقول أن حفاظنا على البيئة هو سبيلنا للحصول على أيام أفضل ووسيلتنا لتأمين مستقبل أفضل لأولادنا وأحفادنا، وأن حرصنا على استدامة الموارد الطبيعية هو خيارنا الأفضل للغد... بل هو خيارنا لغدٍ أفضل. نحن لا نريد أن يقول أبناؤنا من بعدنا عندما يفقدون العديد من عناصر البيئة التي استهلكناها دون ترشيد أو لوّثناها دون مبالاة:
«هذا ما جناه أبي علي، وما جنيت على أحد» (أبو العلاء المعري)، أو كما يقول المثل: «الأباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون».

الجزء الثاني: البيئة والتغيير المناخي في الأمثال الشعبية