بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 تشرين الثاني 2025 12:00ص (الوعاء الحضاري والتحديات) المحامي فؤاد مطر.. والقومية

حجم الخط
«يوم تتلاقى المحاماة وموهبة البيان، يعلو بناء فكري معافى؛ فالأولى تمدّه بالتركيز والإنضباط ونفاذ العين، والثانية تأتيه بمجلوب الذوق والأناقة وحسن الأداء، ليغدو المحامي الأديب أبعدهم عن العثار، وأقربهم إلى الدقة وبراعة المعالجة[...]».
هذا ما قيل يوماً عن أمين نخلة.. وهذا ما يمكن أن يقف عليه المتلقّي عند ولوجه عالم موضوعات المحامي فؤاد مطر التي جمعها في كتابه «الوعاء الحضاري والتحديات». وإن ما دفعه إلى الخوض في غمار هذه الموضوعات هو «تسليط الضوء ومحاولته تصويب الأمور لما يعانيه واقعنا الثقافي من تضارب لبعض المفاهيم الأساسية والخلط في مضمونها ومحتواها حيث تتعلق بالهوية والإنتماء، وتفسيرها بمضامين بعيدة عن حقيقة مدلولاتها[...]».
هذا وإن أولى تلك المفاهيم التي عمد إلى تحديدها هو مفهوم «القومية العربية» التي، وكما يشير، هي وسيلة وجودية تختلّ في توجهاتها عن مفهوم القومية لدى الغرب؛ إذ ان القومية العربية ماهي إلّا حركة سياسية اجتماعية تهدف إلى وحدة الأمة التي مُزِّقَت دون إرادتها، وتحررها من الغاصبين، وتنميتها لتحقيق العدالة. أما القومية في الغرب؛ فإنها حركة انفصالية استعمارية شوفينية تهدف إلى قهر البلاد الأخرى.. بينما العروبة هي وعاء حضاري ورابطة انتماء وهوية تستوعب كل الأديان والمذاهب والإثنيات... تنبذ الطائفية والعنصرية وتمقت الشعوبية، وتحافظ على خصوصيات المكونات كلها دون أن تستهدف إذابة الأقوام مما يفقدهم قسمات شخصياتهم، وسماتهم الخاصة، بل تصهرهم في بوتقة واحدة، وهي لا تتحمّل وزر سياسات تبعتها أنظمة لأنها لا ترتبط بأيّ سلطة دستورية، ومراسيم من أيّ جهة كانت، مبيّناً انه لا مسؤولية للعروبة عن ما يحدث ويحدث من تجارب انحرفت فأدَّت إلى عدم كبح جماح التسلّط والإستبداد، ودون أن تردع عوامل التمزّق والإنقسام... انطلاقاً من تلك الرؤى المعمّقة جاءت معالجة المواضيع التي تمحورت اشكالاتها حول؛ الإنتماء، الهوية، وعن وحدة الأمة التي تمزّقت دون إرادتها، وعن العروبة كوعاءٍ حضاري استوعب كل الأديان والمذاهب، والإثنيات... وكتب عن الإسلام والعروبة، وعن التآخي بين المسلمين والمسيحيين الذي صنع الحضارة العربية، وكتب عن عبد الناصر وجدلية العلاقة بين الإسلام والعروبة، وكتب عن الناصرية والدين، واقترب أكثر من المواضيع التي تمسُّ الواقع الحاضر.. فكتب عن المقاومة وعن الصهيونية عائق نهضة الأمة العربية... كما تناول العلمانية كمفهوم مادي ضدَّ مرتكزات الأمة العربية الحضارية... ودنا أكثر وأكثر من هموم الأمة العربية بشكل عام، وهموم القضية الفلسطينية على وجه الخصوص.. كتب عن موضوع يقض المضاجع في موجهة العدو الصهيوني وهو موضوع التطبيع.. والملفت العنوان الذي عكس رؤيته اتجاهه.. فكان «التطبيع للتطويع». وقد استهله بإشكالية استعمال هذا المصطلح مشيراً بأنَّ لفظ التطبيع لا يظهر في المعاجم اللغوية العربية، ولم ينتشر استخدام هذا المصطلح في اللغة العربية وفي الكتابات المختلفة المتعلقة بالصراع العربي - الإسرائيلي إلّا أثناء المفاوضات المصرية - الإسرائيلية، إبَّان مرحلة كامب ديفد، في النصف الثاني من السبعينات، وجرى الترويج له من قبل العدوّ الإسرائيلي، والدوائر التي تدعمه؛ في حين تحفّظت الكتابات العربية المناهضة للتطبيع على هذا المصطلح، وربطته برغبة العدوّ في الهيمنة على مقدرات المنطقة العربية والتسليم بمصالحه... لينتهي الكاتب إلى القول؛ بأنّ فكرة التطبيع هي الصهينة وتحقيق المصالح الإسرائيلية، وإزاء ذلك كان لا بدّ من استخدام مصطلح «التطويع» على مشروع التطبيع الصهيوني؛ لأنَّ فحواه وهدفه يبقى واحداً.. هو جعل الوجود الصهيوني في فلسطين أمراً طبيعيَّاً، وتطبيع العقل العربيِّ على قبوله ولو على حساب مصالحنا وشخصيتنا وهويتنا [...]

ضحى الخطيب