بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 أيار 2026 12:00ص بين الثورة والخيبة: لماذا تفشل الجماهير في صناعة التغيير؟

حجم الخط
حين نتابع المشهد العربي اليوم، لا نحتاج إلى كثير من التأمّل لنُدرك حجم الاضطراب الذي يسيطر على الواقع السياسي والاجتماعي: أزمات متداخلة، انقسامات داخلية، وتقلّبات حادّة بين موجات من الحماسة الجماهيرية وفترات طويلة من الإحباط والصمت. غير أنّ اختزال هذا المشهد في فشل الأنظمة وحدها لا يكفي لفهم الصورة الكاملة؛ فجزء أساسي من الأزمة يرتبط بكيفية تشكّل الوعي الجمعي ذاته، وبالآلية التي يتحرك بها الناس داخل لحظات الانفعال الجماعي.
وأمام هذا المشهد المأساوي المضطرب، تتبادر إلى أذهاننا مجموعة من التساؤلات: لماذا انهارت مجتمعاتنا رغم ما تملكه من تاريخٍ وحضارةٍ وطاقاتٍ بشرية؟ وكيف تحوّلت شعوبٌ كانت قادرة على صناعة الأمجاد إلى جماهير تتأرجح بين الثورة والخضوع، بين الغضب والصمت، وبين الحلم بالتغيير والاستسلام لواقع الانهيار؟ هل تكمن الأزمة في الأنظمة السياسية وحدها، أم أنّ بنية الوعي الجمعي تلعب دوراً في إعادة إنتاج هذا الواقع؟
وانطلاقاً من محاولة فهم هذه الأزمة، لا بدّ من التأكيد على أنّ هذه الأسئلة لا يمكن تفسيرها من خلال السياسة وحدها، بل تتطلّب الغوص في نفسية الجماهير وآليات تفكيرها وانفعالاتها؛ لأنّ التاريخ لا تصنعه القرارات العقلانية فقط، بل تصنعه أيضاَ العواطف الجماعية والهواجس والرموز التي تتحكّم بالسلوك الجمعي. ومن هذا المنطلق، يُعدّ كتاب «سيكولوجية الجماهير» للمفكّر الفرنسي غوستاف لوبون مرجعاً أساسياً في تحليل سلوك الحشود، رغم صدوره في نهاية القرن التاسع عشر، إذ ما يزال حاضراً في تفسير العديد من الظواهر السياسية والاجتماعية المعاصرة.
يرى لوبون أن الفرد، حين ينخرط داخل الجماعة، يفقد جزءاً من قدرته النقدية، ويتحوّل سلوكه إلى تصرفات يغلب عليها الطابع العاطفي أكثر من الطابع العقلاني. فالحشود لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تنجذب إلى الأفكار البسيطة ذات الأثر العاطفي القوي، مما يجعلها قابلَةً للتأثر والتحريك بسهولة. كما أن الفرد داخل الحشد قد يقوم بأفعال لا يمكن أن يقوم بها منفرداً، نتيجة ما يسمّى بالعدوى النفسية والانفعال الجمعي. نرى ذلك بوضوح في تحوّلات الشارع العربي خلال السنوات الأخيرة؛ إذ يمكن لحشودٍ أن تنتقل في زمن قصير من ذروة الحماس الثوري إلى حالة من الإحباط أو الانكفاء، دون أن تمر بمرحلة مراجعة نقدية حقيقية. في لحظة ما يبدو التغيير ممكناً وملحّاً، وفي أخرى يصبح الخوف من المجهول أقوى من أي رغبة في الاستمرار.
وبذلك تصبح الجماهير حشداً يميل إلى التبسيط أكثر من التحليل، وإلى الانفعال أكثر من التفكير، الأمر الذي يجعل دور القائد محورياً في توجيهها والتحكّم في مسارها. فالقائد لا يعتمد على البرهان العقلي بقدر ما يعتمد على التأثير الرمزي واستثارة العاطفة. وفي هذا الإطار، يستشهد غوستاف لوبون بكلام نابليون بونابرت حين قال: «لم أستطع إنهاء حرب الفاندي إلّا بعد أن تظاهرت بأني كاثوليكي حقيقي، ولم أستطع الاستقرار في مصر إلّا بعد أن تظاهرت بأني مسلم تقي، وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا، ولو أنه أتيح لي أن أحكم شعباً من اليهود لأعدت من جديد معبد سليمان». ويُبرز هذا القول قدرة القائد على تكييف خطابه ومظهره وفق طبيعة الشعوب التي يحكمها، بما يخدم هدفه في التأثير على الجماهير. لكن هذا لا يعني أن الحشود وحدها مسؤولة عن هذا النمط من التخبط. فالعلاقة بين الشعوب والسلطة معقدة: أنظمة سياسية تستثمر في العاطفة وتعيد إنتاجها، وجماهير تستجيب ضمن شروط اجتماعية وتعليمية وإعلامية محددة. المشكلة لا تكمن في وجود العاطفة بحد ذاتها، فهي جزء طبيعي من الفعل الإنساني، بل في تحولها إلى العامل المهيمن على حساب التفكير النقدي. والأخطر في هذا الوضع هو أنها تميل إلى إعادة إنتاج نفسها. فحين يغيب التحليل النقدي، يصبح من السهل تعبئة الجماهير بسرعة وإحباطها بسرعة.
في الخلاصة، إن فهم طريقة تفكير الجماهير يتيح فرصة لتفسير تحولات المجتمعات بين الثورة والخنوع، وبين الأمل في التغيير والتبعية. لذلك فإن الخروج من هذا المأزق يبدأ من إعادة الاعتبار للعقل. وعلينا أن ندرك أن الأوطان لا تصان بالنوايا الحسنة، بل باليقظة والقدرة على المراجعة الدائمة. فالعالم لا ينتظر المترددين، ولا يرحم الغافلين، ومن يتخلى عن عقله اليوم سيدفع ثمن ذلك سيادةً وأمناً ومستقبلاً. لذا إمّا أن نملك خياراتنا بوعي نقدي، أو ندفع قسراً إلى خيارات لم نصنعها. من دون ذلك، سنعيش موجاتٍ متكرّرة من الثورة، تتبعها موجاتٌ من الانكسار. فمن لم يجلس على مائدة القرار، فليعلم أنه على مائدة الطعام.