عندما يطأ ناظراك العبارات الأولى لهذه الرواية، لن تكون مخطئاً إذا أوحت لك بأنك ستغوص في مناخات روائية يغلب عليها الطابع السوداوي... تتابع الراوي وهو يتحدث عن نفسه: «لم أنم هذه الليلة، إلاّ قليلا»، كان نومي مضطرباً تتخالله الهواجس والهموم ويهيمن عليه قلق غامر تحدو به الأفكار السوداء من كل جانب... تصول وتجول وتحيط بمنصة عمري الذي مضى على قارعة الحياة، وتبوح بالغمّ والقنوط من مستقبل غامض مجهول في طياته ،لا تلوح من سماته إشراقة فرح أوأمل [...]
ويمضي القارئ معه بعد أن استقلّ سيارته متجهاً إلى الطبيعة للترويح عن نفسه.. سالكاً الطريق الساحلي المتجه شمالاً وقد استرعى انتباهه لافتة تشير إلى منعطف «كفر كفرون» الذي سلكه عسى في هذا الطريق ما يفرج الهمّ والغمّ عن نفسه التوّاقة إلى رؤية مناظر الطبيعة الخلابة التي يتميّز بها جبل لبنان «والأمر غنيٌّ عن العلم والتفلسف.. فانظر يا فتى واستمتع بما خلق الرب فأبدع الصور» [...] ومع تقدم سيارته، لاحظ منبسطاً طويلاً.. وصفوفاً تحيط بجوانبها أشجار الزنزلخت... لتعيده شجرة الزنزلخت تلك إلى ذكرى أليمة عند أول علاقة تعرّف فيها في طفولته إلى تلك الشجرة والتي كان لها تأثيرها الشديد عليه حتى أوحت إليه بأن تكون عنواناً لروايته هذه «نشيد الزنزلخت». ثم يتابع مشواره ليبلغ بلدة كفرون. هناك يأخذك الكاتب إلى محطة من محطات سردياته تشعرك بهدأة المحارب التي عندها تسكن نفسك.. «وبدت كفرون من بعيد على الطريق المؤدية إليها وادعة تتناثر فوق تلة مطلة على الجبال المكسوة بأشجار السنديان والبلوط ومن أشجار الأرز العزيزة المميّزة كانت الشمس التي تصدر من جهة الشرق تتيح رؤية الجبال المقابلة المكسوة بالأشجار والثلوج في فصل الشتاء وتضمن للرؤية في كل وقت من الفصول منظراً طبيعيَّأً جميلاً» [...]. عند كل محطة من محطاته يستوقفك وصفه لما حوله... من أشخاص.. وأماكن ومناظر طبيعية، فها هو قد وصل كفر كفرون وجلس في أحد مقاهيها ولتمضي مع الكاتب على دروب الراوي الذي وبعد أن قطع أحد روَّاد المقهى عليه تأمّلاته اعتذر صاحب المقهىمنه: «لا تؤاخذه على قطع تأمّلاتك بالحديث معك» [..] حيث مثَّل هذا المشهد لسرديات تتابعت انطلاقاً من عبارة «الله يبعد عنكم حظَّ مطانيوس» المتداولة في تلك البلدة والتي مثلت جزءاً من تراثها... ومحور هذه الرواية.. حيث انطلق صوت صاحب المقهى زينون عبود الجهوري في أرجاء القاعة ليكشف سرّها. فهي تحكي حكاية إنسان عاثر الحظ هو مطانيوس أبو رعيدي الذي فَقدَ أبويه طفلاً.. ثم ليواجه آثار يتمه وفاقته وحظه العاثر ومتاعب الحياة المادية والحياتية والعاطفية... إذ لم يكن بمقدوره حلم حنَّة وحلمه بالزواج، وكان القرار بالهجرة إلى المكسيك والعمل هناك لإدخار بعض المال التي سافر إليها، ولكن الحظ العاثر ظلَّ يرافقه... وكان الكاتب يقول للقارئ: «الله يبعد عنكم حظ مطانيوس» حيث تهوي به الأقدار في المكسيك الى قعر الحياة... وليعود إلى بلاده هرماً مريضاً خالي الوفاض.. والمفارقة أنه وبعد أن وطأت قدمه أرض الوطن.. وبينما هو بين جموع المستقبلين من أهل ضيعته وعلى رأسهم ابن أخته ،سمعه مطانيوس يقول: «الله يبارك فيك وفي مالك، وصلت برقية خوسيه مزنر من اسبوع يخبرك أنك ربحت جائزة اليانصيب الكبرى»[...] وليغيب مطانيوس عن الوعي.. وإلى ذلك فإنَّ الكاتب لم يألُ جهداً في إغناء قصته هذه بمعلومات تاريخية.. حيث ينقل القارئ من كفر كفرون القرية إلى مدن العالم الكبرى، ليتعرّف القارئ على تاريخها وما جرى فيها من أحداث عملت على تغيير معالمها.. كالمكسيك وغيرها.. هذا من جهة. ومن جهة ثانية عمل الكاتب على تسلبط الضوء على معاناة المهاجر اللبناني على دروب الهجرة، إلى جانب ذلك وإن ما يلفت في هذه الرواية تلك النفحات الإيمانية كما في عبارته: «ينطلق لسانك بكلمة الله الله... ما أجمل هذا المنظر، وتسبّح الخالق وتحمده وتشكره في أعماقك» [...]
(الرواية صادرة عن دار فواصل وتقع في 156 صفحة من القطع الوسط)
ضحى الخطيب