بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 حزيران 2026 12:00ص د. محمد فتحي عبد العال لـ«اللواء»: المناخ الحالي تآكلت فيه المعايير وتداعت القِيَم لصالح «الصورة» أو «التريند»

حجم الخط
يضعنا القاص د. محمد فتحي عبد العال في مواجهة فكرية مع حالة إنسانية مأزومة يعيشها الإنسان المعاصر في عالم تتآكل فيه المعايير وتختلط فيه الحقيقة بالصورة. فمنذ اللحظة الأولى، يقدّم مفهوم «الاستروبيا» بوصفه اضطراباً مركباً تتداخل فيه الأبعاد النفسية والمعرفية والأخلاقية، في محاولة لقراءة التشققات العميقة التي أصابت الوعي الإنساني تحت ضغط المادية وثقافة الاستهلاك وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي. كما أنه لا يتعامل مع الأدب بوصفه حكاية أو متعة جمالية فقط، بل باعتباره أداة تشريح وكشف، إذ تتحوّل القصص إلى مرايا تعكس هشاشة الإنسان الحديث، واغترابه عن ذاته، وعجزه عن التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مصنوع بعناية ليبدو حقيقياً.
نكتشف من خلال الحوار معه عن رؤية نقدية حادّة للواقع المعاصر؛ فالكاتب يرى أن الاستروبيا لم تعد حالة فردية تخصّ شخصيات معزولة، بل تحوّلت إلى ظاهرة جمعية تتغذّى على ثقافة التزييف والظهور، حيث يُكافأ الزائف ويُدفع الصادق إلى الهامش. وبهذا تكتسب شخصياته بُعدها التراجيدي؛ فهي ليست بريئة تماماً ولا مذنبة بالكامل، بل تتحرك في منطقة رمادية بين كونها ضحية للواقع وشريكاً في إعادة إنتاج تشوّهاته. ومن أكثر النقاط عمقًا في اللقاء تأكيده أن عصرنا لم يعد يحتفي بالحقيقة بقدر احتفائه بـ«القصة المقنعة»، وهي فكرة تمنح الحوار بُعداً فلسفياً يتجاوز حدود الأدب إلى مساءلة البنية الثقافية والأخلاقية للعصر نفسه. فالحقيقة، كما يراها، أصبحت أقلّ جاذبية من الوهم المصقول القادر على منح الناس شعورًا زائفًا بالراحة والانتماء. ومع القاص د. محمد فتحي عبد العال أجريت هذا الحوار:
{ عنوان «استروبيا» يحمل دلالة اضطراب... كيف تعرّف هذا الاضطراب؟ هل هو أخلاقي أم معرفي أم نفسي؟
- «استروبيا» بمثابة صرخة مدوية خلف كل حرف في هذه المجموعة مبعثها مزيج من اضطرابات مركبة في محراب يسوده صمت مدقع لأن أبطالها اختاروا الانزواء خلف أستار تخفي حقيقة نفوسهم.. الأبعاد الثلاثة سواء أكانت أخلاقية أو معرفية أو نفسية جميعها مجتمعة وممثلة في بوتقة واحدة:
البُعد المعرفي: لأن الحياة أصبحت مرتبكة في مسألة المفاهيم الأخلاقية.. الأخطاء والشرور صارت أمور من السهل تبريرها والتماس الأعذار لها بل وصارت جزء لا يتجزأ من الحقيقة فالقيم المادية أفردت لها الكتب واحتلت مساحات واسعة من المعارف فيما توارت كتب الأخلاق حتى خفت صوتها وجف مدادها وأصبح الانتصار للمادة وإدارة الموارد المتاحة مسألة تعلو على أي اعتبارات أخرى ونتاج هذا أن الإنسان المعاصر يعيش حالة من الضبابية والتيه والعجز عن التمييز بين الحقيقة والزيف أو إدراك الحقائق كما هي، ومع غياب علم الإنسان والذي كان لزاما أن يكون الأساس الراسخ للعلوم الإنسانية في كل المراحل التعليمية صار الإنسان المعاصر مفعول به دوما، فريسة للسقوط في فخ الصورة الذهنية المشوهة التي تبتدعها أوهامه أو تهيّئها له مخيّلته تجاه ردّات فعل من حوله.
البُعد النفسي: يظهر جليّا في مساحات محمومة من القلق والاضطراب بحكم الأمر الواقع الذي فرض على شخوص المجموعة القصصية في ميادين العمل أو بحكم ظروف التنشئة المضطربة، التبعية تعد ملمحا آخر يبدو في الرغبة المحمومة لأبطال المجموعة في البحث عن صورهم في عيون الآخرين ومحاولة تجميلها، علاوة على فقدان المركز الداخلي للذات كبوصلة محركة وموجهة للمرء طوال الوقت ليمسك بتلابيب نفسه.
البُعد الأخلاقي: وهو الجانب الأهم والمقصد الأساسي للمجموعة والذي طغى حتى على فنياتها حتى يبرز في جلاء، فالمناخ الحالي تآكلت فيه المعايير وتداعت القيم لصالح «الصورة» أو «التريند»، مما جعل الميكافيليلة تسود وتحكم والغاية تبرر الوسيلة - مهما بلغت درجة انحدارها - دائماً.
{ هل ترى أن «الاستروبيا» حالة فردية أم ظاهرة مجتمعية عامة؟
- هي بلا أدنى شك ظاهرة مجتمعية عامة وراسخة. مظاهر «الاستروبيا» ليست أعراضا لمرض عضوي يصيب إنساناً منعزلاً ولا يخشى انتشارها، بل هي أشبه بجائحة أخلاقية أفرزت «عدوى هيكلية شاملة» تفرضها طبيعة العصر الحديث (عصر السوشيال ميديا والاستهلاك والمادية). المجتمع الآن أشبه بشاشة عرض ضخمة تعزز هذا الاضطراب وتعبّر عنه دون مواربة، حيث يُكافأ الزائف ويُهمش الصادق، مما حولها من «حالة» إلى «هوية جماعية» يكسوها الاضطراب ويجتاحها الألم النفسي.
{ هل الشخصيات ضحايا للواقع... أم شركاء في تشويهه؟
- هم الأثنين معا فهم ضحايا للواقع حينما رضخوا للسير نياما في مسارات محددة دون أن يحركوا ساكنا لتغييره ولو بمسكة قلم على ورقة فارغة وهو أضعف المقاومة. وفي الوقت ذاته وبسبب ما سبق فلا يمكن أن يغادروا خانة الشركاء وقد تملكتهم غواية «الظهور» و«حب المال» واختاروا بوعيهم (أو بنصف وعي) وبقصد وبدون قصد أن يساهموا في تشويه الواقع بدلا من علاجه مقابل مكاسب وقتة واهية أو هروباً من مواجهة أنفسهم المريضة.
{ هل تعتقد أن الحقيقة في عصرنا لم تعد مهمة بقدر «القصة المقنعة»؟
- نحن نعيش العصر الذهبي للقصة المقنعة المزينة البعيدة عن الحقيقة فالحقيقة المجردة دائما ما تكون مملّة في أخلاقياتها أو قاسية في دروسها وعبرها، بينما «القصة المقنعة» تقدم الإثارة والراحة والانتماء. في «استروبيا»، يتضح أن الناس لم يعودوا يبحثون عن «ما هو حقيقي»، بل عن «ما يخفي مشاعرهم الحقيقية « أو «ما يدعم انحيازاتهم ويبرر أفعالهم»، مما جعل صناعة الوهم تجارة رائجة وأعظم ربح وأمن طريق من قول الحقيقة.
{ إذا أردت تلخيص رسالة «استروبيا» في جملة واحدة... ماذا ستكون؟
- «استروبيا» ليست مجرد سردية أدبية عابرة بل رحلة البحث عن الصدق وسط ركام من التجمل والأضواء الزائفة.. إنها مجهر مسلط على جرح لا يندمل في الوعي المعاصر. كل هذا يتطلب قدر من المواجهة الشجاعة مع الذات الإنسانية المعذبة في صمت.