بيروت - لبنان

اخر الأخبار

31 آب 2021 12:00ص شاطئ «الرملة البيضاء».. «سان بلاش» الفقراء ومتنفّسهم البحري! (٣/٣)

حجم الخط
زياد سامي عيتاني*


شاطئ «الرملة البيضاء» المترامي جنوب بيروت، ذات الرمال البيضاء، مقابل الرمال الحمراء المحيطة به حتى منطقة خلدة جنوباً، الذي يبدو لناظره كأن لا بداية له ولا نهاية، كان يتشكّل من الرمال البحرية المترسبة قُرب أو على قاعدة صخرية، حيث أنه كان يمتدّ تاريخياً لأكثر من عشرة كيلومترات متواصلة تقطعها بعض الصخور الرسوبية وغيرها في بعض الأمكنة، ويقال أن مصدر هذه الرمول التي يختلف عمقها من مكان إلى آخر في تلك المنطقة هو الصحاري الأفريقية، والأرجح مما كان يجلبه نهر النيل من أتربة تتحرك مع التيارات البحرية، حيث كانت «الرملة البيضاء» عبارة عن بيئة طبيعية رائعة لكثبان الرمل التي كانت مترامية على طرف بيروت تنتظر سكانها ليتمتعوا بها.

إذ يعتبر الباحثون أن هذا الشاطئ هو أكثر المواقع العائدة للعصر الحجري إمتداداً وأهمية...

تظهر صورة مأخوذة من الجو في العام ١٩٣٩، أن رمال منطقة «الرملة البيضاء» كانت تصل إلى ما يعرف اليوم بمنطقة «الأونيسكو»، ويخترقها رأس من بعض الأراضي الزراعية والمنشآت من منطقة «المزرعة» و«وطى المصيطبة»، لتمتد الرمول خلفها من جديد وصولاً إلى أطراف حيّ «قصقص» و«حرج الصنوبر»... ويروي بعض كبار السن أن منطقة الرملة البيضاء والجناح وبئر حسن كانت خلال تلك الفترة تعتبر موحشة ومسرحاً «للواوية». ويقال إن بعض أهالي بيروت من الملاّكين كانوا يورثون بناتهم في تلك المناطق بينما يعطى الذكور من الأولاد حصتهم في المناطق الأغلى ثمناً من «رأس بيروت»، «البسطة»، «عين المريسة» و«المزرعة»!

وتكشف بعض الصور المأخوذة من الجو منذ عشرات السنين إلى أن شاطئ الرملة البيضاء كان غير مستقر لناحية مساحته وكمية الرمال الموجودة فيه، وهذا الأمر يظهر بوضوح حتى خلال ثمانينيات القرن العشرين، وتحديداً العام 1982 حيث كانت مساحة الشاطئ أقل بكثير مما هي عليه اليوم في العديد من النقاط، وذلك أن المنطقة كانت معرّضة للكثير من التيارات البحرية التي تُدخل الرمال وتخرجها.

****

< تحوّلات الشاطئ وبناء الكورنيش:

عرف شاطئ «الرملة البيضاء» تحوّلات جذريّة، إثر تعاقب عمليّات الضم والفرز منذ أربعينيات القرن الماضي، وتعديل المراسيم المتعلّقة بالواجهة البحريّة لزيادة الاستثمار، على حساب حق الناس الطبيعي في الوصول الى الشاطئ، ويظهر ذلك جليّاً في مقاربة الخرائط والصور الجويّة بتسلسل.

فالخريطة الصادرة عن سلطات الانتداب عام 1932 تظهر أن مساحة الشاطئ الرملي كانت أكبر بكثير مما هي عليه اليوم، وأنّ عقارات الـ «إدن روك» لم تكن يوماً صخريّة، بل كانت في تلك الحقبة شاطئاً وهضبةً رمليّاً عامّاً!

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وبدايات الخمسينيات، بدأت ملامح تحوّل كبير للحياة في بيروت والتمدد العمراني جنوباً وبدأت أسعار الأراضي بالارتفاع، بل أضحت من أرقى مناطق العاصمة.

وقد تم شق كورنيش بحري في منتصف الخمسينيات يستكمل الكورنيش البحري الممتد من عين المريسة حتى الروشة.

هذا الكورنيش هو الذي حدّد المنطقة العاشرة من بيروت التي تضم غالبية الأملاك العامة البحرية بعدما قضم أجزاءً كبيرة منها، حيث يمكن من خلال خريطة رسميّة تعود إلى سنة 1965، تحديد حدود مياه البحر (وفقاً للقرار 144/1925)، إذ كان لافتاً أن حدود العقارات «المتّصلة بالشاطئ» كانت تقع تحت خط حدود البحر.

كذلك تظهر الصور الجويّة وخرائط من الستّينيات موقع حائط الكورنيش البحري الذي يفصل العقارات الخاصة عن الأملاك البحرية العامة. وتظهر الخرائط أن الحائط كان يمرّ وسط العقارات العائدة للـ «إدن روك»، وكانت تصل إليه المياه، كما حدّدت حدود البحر لعام 1955.

وفي مقارنة لصورتين مأخوذتين لشاطئ «الرملة البيضاء» العام 1954 والعام 1990، كان عرض الشاطئ في الخمسينيات يناهز السبعين متراً، زُمَّ في أوائل التسعينيات بما يقارب الخمسين متراً، فأصبح حالياً نحو واحد وعشرين متراً فقط، وذلك من جرّاء الإستيطان والإستخدام الجائر والعنفي للشاطئ، وقلّة الإكتراث بآثاره البيئية!!! فضلاً عن عوامل الضغوط التي تتزايد مع السنين من قبل الطبيعة، حيث أن الأمواج التي تلطم الشط تقضمه وتقلّصه بشكل تراكمي مع مرور الزمان...

****

< خطر زوال الشاطئ:

شاطئ «الرملة البيضاء» اليوم تتنازعه الأنباء المتضاربة والمقلقة فيما إذا سيبقى على حاله مسبحاً شعبياً للعموم، أو سوف تقضي عليه مشاريع الإستثمار العقاري. لذلك فهو لا يزال مجهول المصير، لأنه رسمياً ليس ملكاً عاماً، فقط مجرد الوصول إليه مجاني!!!

وما يزيد القلق والخوف على ديمومته ومستقبله ما يعانيه الشاطئ من الإهمال المتعمّد وتلوثه من جراء المجاري غير المعالجة مياهها الآسنة التي تصب فيه من الأحياء المجاورة، وتكاثر النفايات التي تحملها الرياح والتيارات من مكب نفايات «كوستا برافا» في الشويفات! وذلك بفعل غياب الرعاية والإهتمام من قبل الدولة والبلدية في جعله شاطئاً عاماً آمناً ونظيفاً، على غرار أمثاله من الشواطئ العالمية، لا سيما «المتوسطية» التي تصحو وتنام على تفاعلها مع البحر، حيث تهتمّ بلدياتها بإبقائها نظيفة، وحراستها وحمايتها من التعدي، وينمو على خطّ مواز لها (ضمن مسافة يفرضها القانون) عدد لا يحصى من المقاهي والمطاعم والأكشاك وأماكن لعب ولهو الأطفال، التي تحشد الزبائن من أولى ساعات الصباح حتى أواخر ساعات الليل، فتتفاعل مدنها مع إنفتاحها على البحر، وليس كما هي حال بيروت التي تدير ظهرها إلى البحر!!!

إن البقاء متفرجين على تقصير السلطات والمجتمع البيروتي حيال ما يتعرّض له شاطئ «الرملة البيضاء»، فلن يبقى للبيروتيين شاطئاً يتنعمون به...

وخير مثال حيٌ بيننا، أنه كان لبيروت عشرة جيوب شاطئية يتمتع بها سكان المدينة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم يبقَ لهم سوى جيب واحد، هو رئتهم الوحيدة على البحر في بقعة إسمها «الرملة البيضاء».. التي هي تحت خطر الزوال!!!

-------------

*إعلامي وباحث في التراث الشعبي