محمد صالح أبو الحمايل في ذاكرته عن تاريخ بيروت الحديث
حجم الخط
أصدر الزميل الأستاذ محمد صالح أبو الحمايل كتاباً جديداً بعنوان «تاريخ بيروت الحديث» تضمن مجموعة من المقالات والدراسات التي سبق أن نشرها في صحيفة «اللواء الغراء» «والنهار الغراء» وسواهما.
والأمر اللافت في هذا الكتاب أنه يؤرخ لمراحل عايشها الكاتب، فقد كان معاصرًا لأحداث وتطورات ولمناطق وأحياء طواها الزمن أو كاد أن يطويها، فهو من مواليد بيروت المحروسة عام 1943، وبمعنى آخر فقد عاش في القرن العشرين حيث كانت ملامح بيروت المحروسة لا تزال عثمانية مطعمة بالنموذج الأوروبي والمعاصر، كما عاش في القرن الحادي والعشرين حيث بدأ التراث البيروتي العريق بالاندثار شيئاً فشيئاً.
أهمية هذا الكتاب صفة المعاصرة للحدث، وصفة المشاهدة الحية للأحياء والأزقة والزواريب، وصفة معايشة العادات والتقاليد والتراث البيروتي العريق، فالزميل محمد صالح أبو الحمايل ليس مجرد ناقل، بل كان – ولا يزال – معاصراً لكل ما كتبه في الكتاب.
أشار عن دراسته الأولى في مدرسة عمر بن الخطاب (الفاروق) المقاصدية، وفي ثانوية البر والإحسان في الطريق الجديدة، ثم تحدث عن حوادث عام 1958، وعن أسواق بيروت المحروسة، وعن حكايات شارع الحمراء وزقاق البلاط وزاروب الطمليس، وأشار إلى شخصيات بيروتية مؤثرة: عبد القادر قباني وعبد الحميد فايد وفؤاد رستم وخليل حلمي مؤسس الرياضة في لبنان، وتحدث عن تاريخ الملعب البلدي في الطريق الجديدة، كما تحدث عن العادات والتقاليد البيروتية بطريقة مهمة جداً باعتباره معاصرًا لتلك العادات والتقاليد، كما أشار إلى الأمثال والحِكم البيروتية مؤكدًا أن «مذهب الفضيلة هو نهج أهل بيروت». ثم رأى أهمية التأريخ للتربية والتعليم فأشار إلى تأسيس المقاصد ودورها الرائد في التربية والتعليم والتنشئة الوطنية.
ولما كانت المسارح ودور السينما جزءًا أساسيًا من تاريخ بيروت المحروسة، فأشار إلى تلك المسارح ودور السينما ودورها في الثقافة الفنية والسياسية والاجتماعية، كما أشار إلى الأسواق القديمة في وسط بيروت منذ ما قبل عام 1975، التي كانت تمثل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والوطنية خير تمثيل، ولعل الساحات الموجودة في وسط بيروت كانت لها أيضًا حكايات وحكايات بيروتية.
والحقيقة، فإن الزميل محمد صالح أبو الحمايل وهو يتحدث عن التراث البيروتي العريق، لم يرَ غضاضة في أن يتحدث عن ذكرياته السياسية وما حدث من تطورات سياسية خلال (75) سنة، بما فيها الاغتيالات السياسية مثل استشهاد الرئيس رياض الصلح في عمان عام 1951، واستشهاد الزعيم كمال جنبلاط 1977، واستشهاد الرئيس بشير الجميل عام 1982، واستشهاد الرئيس رشيد كرامي عام 1987، واستشهاد الرئيس رينيه معوض عام 1989، والحدث الزلزال استشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسواهم الكثير.
لقد استطاع زميلنا الكريم أن يتفاعل مع الحدث الثقافي ومع التراث البيروتي تماماً كتفاعله مع الحدث السياسي والأمني باعتباره معاصرًا لجميع هذه الأحداث المهمة.
كما تحدث عن الانتخابات النيابية والبلدية وأبعادها السياسية ونتائجها على المجتمع اللبناني والبيروتي، كما أكد على أهمية التنشئة الوطنية من خلال المدارس الحكومية الرسمية، ومن خلال الجامعة اللبنانية، الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق في لبنان بلد الحريات والتنوع الثقافي.
لقد ناقش زميلنا الكريم محمد صالح أبو الحمايل ما يقارب (75) من الموضوعات المتعلقة بالحياة الثقافية والتراثية والتاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفنية والتربوية الخاصة بتاريخ بيروت المحروسة، وقد أنهى هذه الموضوعات بحديثه الشيق وذكرياته ما بين الروشة وعروس البحر.
كتاب «تاريخ بيروت الحديث» للزميل محمد صالح أبو الحمايل يستحق منا الاهتمام، ويستحق القراءة، لأنه يمثل شهادة حيّة من شاهد حي – أطال الله بعمره – على (75) سنة من تاريخ بيروت المحروسة العريق والأصيل.






