بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

30 كانون الأول 2025 12:05ص من إعلام العدو: الذهاب إلى الصومالي لاند مغامرة إسرائيلية بالإنخراط في الصراع الإقليمي على الساحل الصومالي

حجم الخط
تسفي برئيل

وقّع صندوق تقاعُد الجيش التركي (OYAK) وحكومة الصومال اتفاقاً بعيد المدى، في مراسم احتفالية أُقيمت في 17 كانون الأول/ديسمبر في أنقرة. يدير الصندوق أصولاً تُقدَّر بنحو 30 مليار دولار، ويشغّل نحو 130 شركة في تركيا وحول العالم. وبموجب الاتفاق، سيكون الصندوق شريكاً في شركة الصيد الصومالية-التركية  SOMTURK، وسيستحوذ على جميع حقوق الصيد الغنية بشكل حصري، كذلك سيتولى إدارة القطاع وتشغيله ومنح التراخيص.
رسمياً، الهدف من إنشاء الشركة المشتركة ومنح الامتياز هو تنظيم هذا القطاع المتفلت وتحسين كفاءته، لكن مراسم التوقيع شهدت مشاركة وزير الدفاع التركي يشار غولر ورئيس أركان الجيش التركي سلجوق بيرقدار أوغلو، لكن ما علاقة وزير الدفاع ورئيس الأركان بأسماك التونة والسردين التي تسبح بكثرة بالقرب من سواحل الصومال؟ ظاهرياً، ليس كثيراً، لكن مشاركتهما تقول أموراً كثيرة عن عُمق العلاقات بين تركيا والصومال.
لقد زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الصومال في سنة 2011، وقدّم لها مساعدات إنسانية سخية، ومنذ ذلك الحين، غرست تركيا جذوراً عميقة في هذا البلد، ليس في البحر فقط، بل على اليابسة، وفي الجو أيضاً؛ ففي الصومال، توجد  أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج تركيا، وكذلك أكبر سفارة تركية في العالم، ومنذ سنة 2017، درّبت تركيا وأهّلت نحو 15 ألف جندي صومالي في قاعدة «تورك - سوم»، كذلك تلقّى ضباط صوماليون دورات متقدمة في تركيا، ودرس آلاف الطلاب الصوماليين في مدارس أنشأتها تركيا، وهناك شركات تركية تدير ميناء مقديشو والمطار الدولي، ومؤخراً، أقامت تركيا على الأراضي الصومالية قاعدةً لاختبار الصواريخ الباليستية التي تنتجها من طراز «تايفون»، وهي تستعد كذلك لتشغيل قاعدةٍ لاختبار إطلاق صواريخ إلى الفضاء.
بهذا، تحولت الصومال إلى ما يشبه محمية تركية، وتستغل أنقرة استثماراتها ومساعداتها العسكرية أيضاً لأهداف سياسية، باعتبارها رأس جسر نحو دولٍ أفريقية أُخرى. تنتهج تركيا سياسة صارمة تعتبر صوماليلاند جزءاً لا يتجزأ من الصومال، لكن صوماليلاند المستقلة، التي انفصلت عن الصومال في مطلع تسعينيات القرن الماضي ولم تعترف بها أي دولة حتى الآن، أصبحت نقطة جذبٍ إقليمية بسبب سيطرتها على شريط ساحلي طويل على المحيط الهندي وخليج عدن.
أمّا إثيوبيا، التي فقدت مَنفذها إلى البحر منذ استقلال إريتريا في سنة 1993، فبحثت عن مخرج ووجدته في ميناء بربرة في صوماليلاند، وفي سنة 2024، وُقِّع اتفاق يقضي بأن تستأجر إثيوبيا شريطاً ساحلياً في منطقة الميناء، مع إمكان إقامة قاعدة بحرية هناك، في مقابل اعترافٍ إثيوبي بصوماليلاند؛ لكن تركيا، وبتكليفٍ من الصومال، حاولت إحباط هذه الخطوة التي اعتُبرت مساساً بسيادة الصومال، وفي نهاية سنة 2024، طرحت حلاً توفيقياً: منح إثيوبيا حق استخدام ميناء مقديشو.
في ظل تشابُك العلاقات المعقدة بين إثيوبيا والصومال وتركيا، يبرز أيضاً دور دولة الإمارات العربية المتحدة، التي استثمرت نحو 440 مليون دولار في تطوير ميناء بربرة، عبر مجموعة DP العملاقة (التي تنافست أيضاً على شراء ميناء حيفا)، وأقامت قاعدة عسكرية في صوماليلاند، واستثمرت في قطاعات إنتاج وتجارة متنوعة في هذه الدولة غير المعترف بها. من منظور أبو ظبي، تُعَد صوماليلاند محطة استراتيجية حيوية، وقد تعززت أهميتها بعد فشل الإمارات في الحصول على حقوق إدارة وتشغيل ميناء جيبوتي. وهي ليست الدولة الوحيدة التي ترى ذلك.
تحيط أبو ظبي نفسها بحزام استراتيجي يشمل جزيرة سقطرى في المحيط الهندي وميناء عدن، الجزيرة التي تخضع لسيادة اليمن، وتسيطر عليها قوات «المجلس الانتقالي الجنوبي»، بقيادة عيدروس الزبيدي، وهو كيان شريك في مجلس القيادة الرئاسي الذي يدير المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحوثيين. هذا المجلس الممول والمدعوم سياسياً من الإمارات، يسعى لإعادة إقامة دولة جنوب اليمن المستقلة، الأمر الذي يتعارض مع رغبة السعودية والولايات المتحدة ودول العالم، في معظمها، في الحفاظ على وحدة اليمن. وهذه الساحة ليست الوحيدة التي تنتهج فيها الإمارات سياسة مستقلة؛ ففي السودان أيضاً، تدعم أبو ظبي قوات محمد حمدان دقلو («قوات الدعم السريع») التي تقاتل الحكومة المعترف بها، بقيادة عبد الفتاح البرهان، خلافاً لمواقف مصر والسعودية.
ضمن النسيج الاستراتيجي الذي تبنيه الإمارات حول اليمن والقرن الأفريقي، تحتل إسرائيل دوراً غير هامشي، ووفق تقارير أجنبية، منحت أبو ظبي إسرائيل إذناً بإقامة قاعدة عسكرية في الجزيرة الرئيسية من أرخبيل سقطرى، وربما أكثر من ذلك، وقبل نحو عام، أفاد موقع «ميدل إيست مونيتور» بأن الإمارات أجرت مفاوضات مع صوماليلاند تهدف إلى السماح لإسرائيل بإقامة قاعدة عسكرية هناك أيضاً، في مقابل اعتراف إسرائيلي باستقلالها. حتى الآن، لم تعترف الإمارات بصوماليلاند رسمياً، لكن هذا لم يمنعها من إقامة قواعد عسكرية، أو إدارة ميناء الدولة.
إن الشراكة العسكرية الإسرائيلية ضمن الإطار الاستراتيجي الذي تبنيه الإمارات في اليمن والقرن الأفريقي قد تضع الدولتين على مسار تصادُم مع دول أُخرى في المنطقة، وفي مقدمتها تركيا التي تتنافس على النفوذ في الدول الأفريقية المطلة على خليج عدن ومضيق باب المندب. من غير الواضح ما إذا كان اعتراف إسرائيل بصوماليلاند شرطاً لوجود عسكري إسرائيلي هناك، لكن لا شك في أن توقيت الإعلان غير منفصل عن القمة الثلاثية التي عُقدت هذا الشهر، وأرست «تحالفاً استراتيجياً» بين إسرائيل واليونان وقبرص، وعن الرغبة في  إحراج تركيا.
من المثير للاهتمام، وإن لم يكن مفاجئاً، أنه في حين يهاجم أردوغان إسرائيل وينتقد «طموحاتها الاستعمارية» في أفريقيا، لم يتفوه بكلمة سلبية عن الإمارات، أو عن شراكتها العسكرية مع إسرائيل في صوماليلاند؛ إلّا إن أردوغان الذي هدد بقطع العلاقات مع أبو ظبي، بعد توقيعها اتفاق التطبيع مع إسرائيل في سنة 2020، يحتاج اليوم إلى الخدمات المالية للإمارات، التي أنشأت في تركيا صندوق استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار. علاوةً على ذلك، تعهدت أبو ظبي في سنة 2023 باستثمار أكثر من 50 مليار دولار في تركيا (هذا التعهد لم يُنفَّذ حتى الآن) حتى اليوم، استثمرت نحو ستة مليارات دولار في الصناعات التركية، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من 40 مليار دولار، وما زال مرشحاً للزيادة.
انضمت مصر أيضاً إلى تركيا والسعودية وقطر في إدانة «الخطوة الأحادية» التي اتخذتها إسرائيل، والتي قالت إنها تمسّ بسيادة الصومال، لكن الموقف المصري له خلفية مختلفة؛ ففي العام الماضي، وقّعت مصر اتفاق تعاوُن عسكري واسع مع الصومال، شمل تدريب قواتها والاستثمار في بنى تحتية عسكرية.
أمّا إدانة السعودية، فتنطلق من موقفها التقليدي الداعم لوحدة الصومال، إلّا إن الرياض، على ما يبدو، ترى في الاعتراف الإسرائيلي مشروعاً إضافياً للإمارات التي تبني لنفسها أذرع نفوذ في أفريقيا، عبر كيانات انفصالية، مثل «قوات الدعم السريع» في السودان، و«المجلس الانتقالي» في اليمن، وصوماليلاند غير المعترَف بها.
في إسرائيل، سارع البعض إلى إضفاء أهمية مفرطة على الاعتراف بصوماليلاند، بصفته يحمل إمكان تحويلها إلى «قاعدة أمامية» في الحرب ضد الحوثيين. لكن يجدر التذكير بأن الإمارات، الراعية للعلاقات بين صوماليلاند وإسرائيل، تسعى أساساً لضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر وإحاطة نفسها بنقاط نفوذ في المحيط الهندي وخليج عدن، وهي ليست متعجلة لاستئناف الحرب ضد الحوثيين، فالإمارات نفسها انسحبت من حرب اليمن في سنة 2019، وهو ما أدى فعلياً إلى تفكُّك التحالف العربي-الأميركي، ثم حيّدت التهديد الحوثي، عبر تجديد علاقاتها مع إيران؛ وفي هذا الشأن، تتفق أبو ظبي مع السعودية ومصر على أن مهاجمة الحوثيين قد تجرّ ردوداً عنيفة ضد أهداف داخل حدودهما. والنتيجة المحتملة هي أن إسرائيل ستكون حاضرة عسكرياً في القرن الأفريقي، لكنها ستجد نفسها مقيدة بسياسة الإمارات والتزاماتها الإقليمية حيال جيرانها. ومع ذلك، لا ينبغي لكل هذا منع الإسرائيليين من البدء بفحص رحلات وعطلات على سواحل صوماليلاند الخلابة.
من منظور صوماليلاند، كانت الجائزة الكبرى وما زالت هي اعتراف الولايات المتحدة باستقلالها، ومن غير المستبعد أن يكون جزء من «الصفقة» مع إسرائيل قد تضمن وعداً بأن يعقبها اعتراف من ترامب، غير أن ترامب، أبدى برودة حتى الآن، حين تساءل: «هل يعرف أحد أصلاً ما هي صوماليلاند؟» وهذا التعليق فيه قدر من الإهانة، وهو غير دقيق؛ ففي أيار/مايو، تحدث رئيس صوماليلاند عن زيارات وفود عسكرية أميركية رفيعة المستوى إلى بلده، كذلك أوصى تقرير «مشروع 2025»، الصادر في نيسان/أبريل 2023 عن معهد هيريتج، والمخصص لرسم سياسات إدارة ترامب، بالاعتراف بصوماليلاند، كخطوة لكبح تراجُع مكانة الولايات المتحدة في جيبوتي.

المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية