بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 نيسان 2026 12:10ص لماذا يتطلّب تحقيق أمن بيروت وسيادة لبنان إقرار قوانين تطبيقية لتوضيح تخصّصية الأجهزة الأمنية والعسكرية؟

حجم الخط
لم تكن حادثة ساقية الجنزير في بيروت مجرد إشكال محلي على تسعيرة مولدات الكهرباء بل كانت لحظة كاشفة تعرّت فيها بنية الدولة اللبنانية أمام ذاتها. ظاهرها نزاع خدماتي بين الأهالي وجهاز أمني وباطنها أزمة أعمق بكثير، أزمة غياب التخصصية وضياع الحدود بين الأجهزة وافتقاد القوانين التطبيقية التي تحوّل الدستور من نصٍّ نظري إلى نظامٍ حيٍّ قادر على ضبط القوة وتنظيمها.
لا يُقاس الأمن في الدول الدستورية بكمّ القوى المنتشرة في الشارع بل بمدى انسجامها داخل منظومة قانونية واضحة. وهذا ما أشار إليه ماكس فيبر حين ربط شرعية الدولة بقدرتها على احتكار العنف المشروع لا احتكاره شكلياً بل تنظيمه عقلانياً. أما في الحالة اللبنانية فالمشكلة ليست في غياب القوة بل في فوضى توزيعها وتحوّلها إلى مجرد أداة لقوى الأمر الواقع الميليشياوية المسيطرة. ما جرى في ساقية الجنزير يعيد طرح سؤال جوهري هو: ما هو الدور الحقيقي لكل جهاز أمني؟ وهل ما نشهده هو تطبيق للقانون أم توظيف للأجهزة في صراعات النفوذ واختلاق الأزمات؟
حين يتداخل الأمني بالخدماتي والعسكري بالمدني يصبح المواطن أمام سلطة ضبابية لا يعرف من يُحاسِب ومن يُحاسَب. هذه الحادثة كما غيرها تُستخدم اليوم في سياق سياسي أوسع لإعادة خلط الأوراق وربما لإجهاض أي محاولة لجعل بيروت مدينة منزوعة السلاح أو لإعادة تكريس واقع ازدواجية القوة. لكن الأخطر من ذلك هو تحويل كل حادثة إلى ذريعة إضافية لتعميق الفوضى بدل معالجتها.
أطلق الرئيس حسين الحسيني في خطاب استقالته عام 2008 تحذيراً بالغ الأهمية، الدستور قائم لكن من دون قوانين تطبيقية يبقى إطاراً فارغاً. هذا الكلام ليس تفصيلاً قانونياً بل هو جوهر الأزمة اللبنانية. فالدستور يحدّد المبادئ العامة لكن القوانين التطبيقية هي التي تحدد اختصاص كل جهاز وتنظم علاقته بالسلطات الأخرى وتضع آليات التنسيق والمساءلة. غياب هذه القوانين فتح الباب أمام سلطة المحاصصة لتحويل الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى أدوات نفوذ سياسي بدل أن تكون أدوات سيادة وطنية.
تقوم التخصصية في أي دولة حديثة على مبدأ بسيط، كل جهاز يؤدي وظيفة محددة ضمن حدود واضحة. الجيش للدفاع الخارجي، قوى الأمن لحفظ النظام الداخلي والأجهزة الاستخباراتية لجمع المعلومات وتحليلها. هذا ما يسميه إميل دوركهايم «تقسيم العمل الاجتماعي» حيث يؤدي التمايز الوظيفي إلى الاستقرار. لكن في لبنان تآكل هذا المنطق تدريجياً، أجهزة تقوم بمهام غير محددة، تداخل في الصلاحيات وتضارب في القرارات. تعود الشهادة إلى التسعينيات حين أجاب أحد عناصر أمن الدولة بأن مهامهم «غير محددة». ليست حالة فردية بل انعكاس لبنية كاملة. جهاز يعمل مرة كجيش ومرة كقوى أمن ومرة كأداة دعم سياسي. والنتيجة لا أحد مسؤول والجميع متداخل في مهب غُبّ الطلب السياسي.
لفهم جذور الأزمة لا بد من العودة إلى مرحلة ما بعد الحرب الأهلية وتحديداً إلى فترة وصاية نظام الأسد. لم تُبنَ المؤسسات آنذاك على أساس دستوري بل على أساس توازنات الميليشيات التي خرجت من الحرب ودخلت الدولة، وفرضت معادلتها على الرئيس رفيق الحريري بعنوان «الأمن والعسكر علينا والتنمية والإعمار عليك» ليستفيق متأخراً على واقع سيطرة الأمن والعسكر عليه وعلى كل شيء. شهدت تلك المرحلة أكبر دورات تجنيد لضباط بهدف استيعاب الميليشيات، ليتبعها لاحقاً كسر الهرمية العسكرية التقليدية وتضخم غير طبيعي في الرتب العليا، مما فتح الباب لتمرير تعيينات مبنية على الارتباطات الحزبية مع استبعاد أصحاب الكفاءات والارتباط الوطني.
وبدل أن تكون المؤسسة العسكرية والأمنية هرماً متوازناً أصبحت مقلوبة، عدد هائل من العمداء وقاعدة ضعيفة من الضباط الصغار. هذا الخلل لم يكن إدارياً فقط بل ضرب جوهر المهنية وقطع الطريق أمام التدرج الطبيعي للكفاءات. وعندما تُكسر الهرمية تُشلّ المؤسسة، فالجيش والأجهزة الأمنية لا تقوم فقط على القوة بل على الانضباط والتراتب. وعندما يصبح الوصول إلى الرتب العليا خاضعاً للمحاصصة لا للكفاءة تفقد المؤسسة روحها. تُروى قصص عن تعيينات في مناصب حسّاسة لضباط لم يتابعوا حتى دورات الأركان فيما يُقصى أصحاب الكفاءة. هذا ليس مجرد ظلم فردي بل إضعاف ممنهج للمؤسسة. فالتراتبية ليست شكلية بل هي العمود الفقري لأي جهاز أمني فعّال.
حين تغيب القوانين التطبيقية تصبح الأجهزة عرضة للتسييس. وهذا ما يظهر في تنفيذ قرارات وانتقاء أخرى والامتناع عن تطبيق قرارات السلطة التنفيذية بل وتكريم من يخالفها. فحادثة إضاءة صخرة الروشة رغم قرار المنع وما تلاها من تكريم ليست تفصيلاً، بل رسالة واضحة بأن القرار السياسي ليس ملزماً إذا تعارض مع موازين القوى. وهنا نخرج من إطار الدولة الدستورية إلى ما يمكن تسميته «دولة الامتيازات» حيث لكل طرف نفوذه داخل الجهاز.
الأخطر من الفوضى الأمنية هو انعكاسها على الشعور بالعدالة. حين ترى فئات من المجتمع أن أبنائها يُلاحقون ويُسجنون لسنوات طويلة من دون محاكمات عادلة فيما يُغضّ النظر عن مخالفات أخرى يتولد شعور عميق بالغبن. هذا الشعور لا يبقى قانونياً بل يتحوّل إلى احتقان اجتماعي وطائفي أي قنبلة موقوتة تهدّد ما تبقّى من وحدة الدولة عند أول شرارة كشرارة ساقية الجنزير. فالأمن الذي لا يكون عادلاً لا يكون مستقراً.
إن معالجة أمن بيروت بل أمن لبنان ككل لا تبدأ بزيادة عدد العناصر أو تشديد الإجراءات بل بإعادة بناء منطق التخصصية وهذا يتطلب:
أولاً: إقرار القوانين التطبيقية، عبر قانون واضح للجيش يحدّد مهامه بدقة، وقانون لتنظيم الأجهزة الأمنية وعلاقاتها وتحديد آليات التنسيق بينها.
ثانياً: إعادة هيكلة الهرمية، أي تسريح مدروس للفائض في الرتب العليا، خصوصاً من تولى مهام على قياس المصالح السياسية لإعادة التوازن وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة.
ثالثاً: ضبط العلاقة مع السلطة السياسية، عبر إنهاء تعدد المرجعيات وتوحيد القرار الأمني تحت السلطة التنفيذية وإخضاع الأجهزة لرقابة برلمانية فعلية.
رابعاً: إعادة الاعتبار للبلديات، وبالتحديد بلدية بيروت وإعادة الصلاحيات التنفيذية إلى رئيسها، فالأمن لا يبدأ من الأجهزة المركزية فقط بل من المستوى المحلي.
بيروت ليست مجرد عاصمة بل مرآة الدولة. فإذا كانت غير قادرة على ضبط أمنها ضمن إطار قانوني واضح فكيف يمكن الحديث عن سيادة وطنية؟ تحقيق أمن بيروت يتطلب وضوحاً في الصلاحيات وتنسيقاً بين الأجهزة وقراراً سياسياً موحّداً. ولا يمكن أن تكون المدينة منزوعة السلاح نظرياً فيما تتعدد مراكز القوة عملياً.
المشكلة في لبنان ليست في النصوص بل في الثقافة السياسية التي أنتجت ما يمكن تسميته «فيروس الامتيازات» كل طرف يريد حصة في الدولة وكل جهاز يتحوّل إلى مساحة نفوذ. إسقاط هذا الفيروس لا يتم بالشعارات بل عبر قوانين واضحة ومؤسسات قوية ومساءلة حقيقية.
يجب ألا تُقرأ حادثة ساقية الجنزير كإشكال عابر بل كإنذار، إما أن تكون مدخلاً لإصلاح حقيقي أو تتحوّل إلى حلقة جديدة في مسلسل التراجع. الدولة لا تُبنى بتجميع القوى بل بتنظيمها. والسيادة لا تتحقق بتعدد الأجهزة بل بتكاملها ضمن قانون واحد. واستعادة أمن بيروت وسيادة لبنان تمرّ عبر مسار واضح، إعادة تعريف الأدوار، إقرار القوانين وإعادة بناء المؤسسات. عندها فقط تتحول القوة من عبء على الدولة إلى ركيزة لها ومن أداة صراع إلى ضمانة استقرار، ويستعيد المواطن ثقته بأن هناك دولة لا مجرد ساحة تتنازعها قوى الأمر الواقع.