الفكر السياسي على ما يُدرّس في الجامعات ومراكز الأبحاث هـو عملية فكرية عقلية حسيّة متراصّة، ولكن وفق خبراتنا المتواضعة على مستوى السياسة اللبنانية لم نلمسْ أنّ الفكر السياسي اللبناني على مدى السنوات الماضية من تاريخ الجمهورية اللبنانية كان نِتاج فكر متوازن فعّال وديناميكي، بل هو فكـر سياسي مُصاب بالعقم يُحرّك غرائزياً والأكثر فقراً في التفكير الإستراتيجي، والمؤسف أنه يتحرّك على خيال مُصاب بالهذيان ويفتقر إلى الإبتكار وهـو الحامي الأول للمصائب التي تُلِّم بالوطن بكافة النواحي.
صدق نيلسون ماندلا في قوله «لا يمكن بناء وطـن بينما أيدي اللصوص في خزينته»، حين نسمع تصاريح ومواقف ساسة لبنان ينتابنا العديد من التساؤلات وأبرزها: هل ساسة لبنان هم مفكرون مخلصون للأمانة التي أتوا من أجلها؟ وهل نُصدِّق كل المُسلمّات التي تقول أنّ مواقفهم تنبع من مصالح الدولة على ما يقولون؟! بإعتقادنا كمركز أبحاث PEAC أنّ هناك عقماً عضوياً يطـول أمـده ليس منذ الإستقلال بل إمتّـد لغاية تاريخنا الحـالي وبالتالي أصبح العمل السياسي معطّلاً واستشرت ثقافة التكيُّف مع الأمـر الواقع وثقافة اليأس وثقافة السرقة...
العقم الفكري - السياسي في لبنان متجذِّر وهو أشبة بعملية تصحُـرّ فكـري معاق، وأسوأ ما في هذا العقم أن المسؤول ومن يدّعي أصول ممارسة النظام يسترسل في مواقفه الإعتباطية الهامشية والأمثلة غنية في المواقف ومنها من طرح قضية «الحياد» دونما أي تفكير في أبعاد وآلية ترجمته عمليًا على أرض الواقع، إلى من أخـذ في الماضي قراراً في الحرب وادّعى بعد فترة وجيزة أنه لم يكُن يعلم مدى تبعاتها، إلى من يُتحفنا أنه يتخذ قرارات «ع السريع لضيق الوقت». فعلاً إنه جحيم في مرحلتنا الحاضــرة والحبل على الجرّار.
على غرار ما يحصل في السياسة اللبنانية يتظهّـر أنّ بعض المفاهيم والثوابت السياسية - الوطنية التي ترتكز على مبادئ العلم السياسي تتغيّر وتتأقلم وتُصبح موضع إنتقاد من قبل المجتمع اللبناني المتحرِّر من هيمنة ساسة الأمر الواقع ومن نافل القول أنّ هناك إنتقاداً من قبل المجتمعين العربي والدولي لنسبة درجة تخلُّف الفكر السياسي وعقمه وأكبر مثال على ذلك ما بات يُعرف بـ«الأمير الوهمي - أبـو عمـر» وما أظهرته بعض الوقائع الظاهر منها والمخفي عن ثقافة ساسة لبنان الممهورة بالمصالح الخاصة والإستفادة الكيدية غُّب الطلب على طريقة «مين ما أخـد إمّي صار عمّي».
العقم الفكري - السياسي في جمهورية ما بعد الحرب ولّـدَ عُقماً مستداماً لا يمكن معالجته إلّا بطريقة البتر «قبعه من شلوشه»، هذا العقم ليس سياسياً محصوراً بل هناك عقم فكري وطني يُمارس مع طبقة سياسية فاشلة فاسدة مستغلّة لمواقع السلطة، يُمارس تحت مظلة سلطة مغتصبة لحقوق الشعب اللبناني التي نظمتها شرعة حقوق الإنسان، ومن الطبيعي أن يكون هناك عقماً فكرياً - سياسياً تحت مظلّة قادة رأي علمانيين وروحيين جعلت الفكر مخصياً ويُنذر بولادة توائم وقطعاناً من الكذب والرياء والتحايل والبيع والشراء والصم الفكري والغيبوبة الفكرية - السياسية - الوطنية.
عقم الفكر السياسي - اللبناني ينبع من عـدّة عوامـل داخلية معقّـدة تشمل قوانين الانتخابات النيابية التي غالباً ما تُقـرّ على قاعدة مصلحة ساسة الأمر الواقع معطوفة على نزاعات طائفية مذهبية، وإنقسام سياسي وتشرذم تنظيمي، وجمــود فكري وتحجُّـر، كما التركيز على صراعات السلطة بدلاً من التركيز على حـل المشاكل وفقاً للدستور والقوانين المرعية الإجراء وإستناداً للقرارات الدولية ذات الصلة بالقضية اللبنانية، إضافةً إلى ضعف المناعة الفكرية العملية والتنظيمية للتعامـل مع التحديات والمشاكل وهذا ما أعاق صياغة إستراتيجية سياسية فعّالة لحماية الدولة والمجتمع اللبناني.
من الطبيعي أن الفكر السياسي اللبناني لأصحاب المقامات العلمانية والروحية مُصاب بالعقم وتحوّل عبئاً على الوطن والمؤسسات والشعب وهو عملياً المسبب المباشر للأزمات السياسية - الأمنيّة - المالية - الإجتماعية، وغير القادر على إفراز الحلول للأزمات المُشار إليها. من الطبيعي القول أن الجمهورية اللبنانية أصبحتْ في حالة الفراغ الفكري - السياسي وبات من نافل القول على ما يُردّده أهم مراكز الأبحاث «لديكم ساسة علمانيّون وروحيّون بعيدين كل البُعد عن المرونة السياسية والفكرية واللياقة والقدرة على إبتكار الحلول...».
العقم الفكري - السياسي شامل لكـل المواضيع ولكن لضيق المساحة نودّ كمركز أبحاث PEAC إثارة موضوعين مهميّن وهما:
• الموضوع السيادي: بإعتبار أن مفهوم السيادة يمثل أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها أي نظام سياسي حيث تعتبر السيادة من المفاهيم الأساسية في علم السياسة، ويعتبر مبدأ السيادة الأساس الذي يحكم العلاقات بين النظام القائم والشعب وبين الدول واحـد أهم الركائز والدعائم الأساسية للقانون الدولي العام. وأسمح لنفسي إقتباس ما ذكرته الموسوعة السياسية «السلطة العليا التي لا تعلوها سلطة وميزة الدولة الأساسية الملازمة لها والتي تتميّز بها عن كل ما عـداها من تنظيمات داخل المجتمع السياسي المنظم». هل ما تمّ ذكره يتطابق مع الفكر السياسي الذي يُعالج مواضيعنا السيادية المستفلحة؟!!
• الموضوع المالي: من المتعارف عليه قانوناً أنّ المال العام هو كل ما تملكه الدولة أو المؤسسات العامة والذي من المفترض أن يخضع لرقابة صارمة ويُعـرَّف من خلال قانون المحاسبة العامة وقانون العقوبات التي تُجّرم الاعتداء عليه كالسرقة والإختلاس والغش، وإستناداً لذلك نطرح بإسم مركز الأبحاث PEAC وبالإنابة عن المُكلفين اللبنانيين مصير الأموال المهدورة على سبيل المثال: الخمسين مليار دولار بمثابة إستعادة الأموال التي إستدانتها الدولة تحت سقف الدعم؛ (الخمسين مليار دولار هي من أموال المودعين).
في النهاية الجهـل السياسي والفكري المصاب بالعقم هما سبب ضياع النظام اللبناني، والفكر الرائج وسط المجتمع اللبناني هو سبب ضياع حقوق اللبنانيين لأن من يُمارسون السلطة هم من يفتقرون إلى العقل السياسي النيِّر.
* كاتب وباحث سياسي وأمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية