حزتُ، والحمد للّه أولا وآخرا، شهادات وشهادات من كبريات الجامعات الأوروبية، ما خوّلني التدريس الجامعي المديد شرقا وغربا وإنشاء عشرات الأبحاث... ولكن مدرسة الحياة لقّنتني دوما دروسا خفّفت ربما من مثالياتي لمصلحة واقعية مثالية أو مثالية واقعية. أتوقف هنا عند دروس تلقّيتها من «معايشة» بعض الحيوانات في حدائقها أو في براريها المترامية الأطراف.
ثمة حيوانات تعيش مع الإنسان كالهرة والببغاء، وأخرى تعيش في الغابات كالزرافة والغزال. أنصت إلى أصوات بعضها، فوقفت على الرابط اللغوي بين واقع الأصوات واللفظة المقابلة في كثير من لغات العالم التي ألمّ بها ولو بقدر ما. استوقفني «مواء» الهرة و«نباح» الكلب في لغة الضاد، ولفظة «كوراكس» اليونانية التي تعني ضفدعة ما يطابق صوتها أيضا، وهكذا...
استلقيت ذات يوم على فراشي لأشاهد فيلما عن الحيوانات. رأيت فيلا ضخما يأكل حبات الفستق. وهنا، حصل أمر غريب، فان الفيل طفق يصرخ خائفا من شيء ما. انتظرت لأعرف سبب خوفه، فوجدت فأرا صغيرا يركض قرب الفيل. تعجبت منه لأنه يخاف من فأر صغير وهو من الضخامة بمكان. تبيّنت بالمشاهدة ان كل كائن يخاف لان ثمة ما يتحرك في داخله حيال كل عامل خطر، وأدركت في نهاية المطاف مكانة سيكولوجية الحيوان في ميدان علم النفس. وهذا ما تأكّد لي بعد اطّلاعي على نظرية العالم بافلوف حول ردّات فعل الكلاب على إمكانية مجازفاتها بإزاء خطر ما!
القرد حيوان مقلد، يقلد حركات الإنسان. ومن العلماء من أفتى ان القرد هو في أساس تكوين الإنسان!... وكثيرا ما خشيت تسلله إلى غرفتي في أحد فنادق كوريا الجنوبية خلال مشاركتي في مؤتمرات دولية عن السلام، فأبقيت على شباك الغرفة مغلقا تجنّبا للمفاجآت. أخبرني نجار كوري انه يصحب قرده إلى مكان عمله في المنجرة، وان القرد كان يشاهد صاحبه وهو ينشر الخشب. وذات يوم، حاول «صاحبنا» أن يقلد صاحبه، فيقطع الخشب مثله. لم ينتبه القرد وهو يعمل، فعلق ذيله بقطعة الخشب، وراح يصرخ. حضر النجار وأنقذ القرد. وتعلّم القرد أن لا يقلد الناس كي لا يقع في مشكلة!
ان نعرف حدّنا قناعة نادرة في عالمنا الفاني، ولكنها ضرورية لتسيير شؤون الحياة. اما عوالم الفكر والإبداع، فـ«الرجولة» فيها أن تقف عند حدود لله خالقها وواضعها لتتمثل فيها كل مبدع بعملية الخلق التي هي أساس كل فكر وكل إبداع!
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه