بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 أيلول 2025 12:07ص إستهداف الدوحة: حلقة في فيلم "إسرائيل تحكم من السماء".. وهذه الدول على "لائحة النار"

حجم الخط

في الشرق الأوسط، لا أحد يُفاجأ عندما تطلق إسرائيل صواريخها على غزة، أو تقصف دمشق، أو حتى تقصف جنوب لبنان. لكن أن تتطاير الصواريخ الإسرائيلية في سماء الدوحة، وتستهدف وفدا دبلوماسيا يجري مباحثات لوقف العدوان على غزة، فهذه ليست مجرد "رسالة"، بل خطابٌ مفتوح إلى كل من تبقى لديه وهمٌ أن هناك خطوطًا حمراء أو قوانين دولية تحكم العلاقات بين الدول.

قد يكون رئيس الكنيست الإسرائيلي، أمير أوحانا، أكثر صراحة من منظّري العلاقات الدولية في تصريحه بعد الضربة على الدوحة: "نحن نبعث برسالة إلى كل الشرق الأوسط". ولا عجب، فإسرائيل لم تعد تُخفي نواياها. هذا ليس مجرد رد فعل عسكري، بل عرض حي لمشروع سياسي – عسكري - عقائدي اسمه: "الشرق الأوسط الجديد، بنسخته الإسرائيلية".

لكن فلنبدأ من المشهد الأبرز: اغتيالٌ بطائرات مسيّرة لقيادات حماس في قلب العاصمة القطرية، تزامنا مع طرح أمريكي- أممي "بنَكهة القلق والإنسانية" لمبادرة وقف إطلاق نار في غزة.

إسرائيل، التي تقول إنها لا تتدخل في المفاوضات، فضّلت هذه المرة أن "تفجّر" النقاش حرفيًا.

من المفارقة السوداء أن الدولة المستهدَفة هي قطر، التي كانت من أوائل الدول الخليجية التي أقامت علاقات اقتصادية مبكرة مع إسرائيل منذ 1996، وسمحت لتجّار الماس الإسرائيليين بالدخول، ولبعض ممثليها بفتح مكاتب تجارية في الدوحة. فهل هذا جزاء التطبيع؟ يبدو أن إسرائيل، بدلاً من أن تشكر قطر على خدماتها الدبلوماسية، قررت أن تكافئها بصاروخ على الاجتماع!

وإذا كانت هذه "الرسالة" لإيران وحزب الله وحماس، فلماذا تُرسل من فوق الأجواء القطرية؟ أهي نظرية "اقتل المفاوض" الجديدة؟ أم أن الموساد قرر أن يفتح فرعا في الخليج؟ بل السؤال الأدق: ما هي الرسالة التي وصلت فعلاً؟ أن لا خطوط حمراء بعد اليوم، حتى داخل حدود الحلفاء!

نتنياهو والخرائط الكاملة

منذ فترة ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يعد يكتفي بخطابات الكنيست، بل بات يعرض خرائط ملونة على شاشات المؤتمرات الدولية، تظهر حدود "إسرائيل الكبرى" التي تمتد من البحر إلى النهر… ومن النهر إلى قطر هذه المرة؟ بل وإلى اليمن، وسوريا، ولبنان؟ على رأي المثل الإسرائيلي: "إذا كان لديك طائرات إف-35، فلما لا تجربها؟".

واذا كان لديك أدميرال كبراد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، لماذا لا تكون في قمة الجنون وتنفذ عملية "قمة النار" داخل قطر والتي جرى التخطيط لها منذ عدة اشهر.

كوبر كان قد خط في اسرائيل السبت الماضي بزيارة مفاجئة، وكلامه شدد على ضرورة "تعزيز الأمن الإقليمي" وحماية إسرائيل… ولا شيء يعزز الأمن الإقليمي أكثر من اغتيال مفاوضين في عاصمة عربية آمنة..؟

أمريكا: راعية السلام عبر الطائرات

فمن المؤكد أن الإدارة الاميركية، التي أعربت عن "القلق العميق" بعد استهداف الدوحة، هي نفسها التي سمحت لطائرات إسرائيل بالمرور في منطقة خاضعة لسيطرتها الجوية الكاملة، بفضل القيادة الوسطى "سنتكوم". ولكن القلق هذه المرة، وصل بعد أن اصطدمت السياسة الأمريكية برأسها في الدوحة.

لكن لماذا تقلق واشنطن؟ المشروع يسير كما هو مخطط، وكل حجر يُرمى على المقاومة، وكل قيادة تُغتال، هي خطوة أخرى نحو "إعادة ترتيب المنطقة" وفق الرؤية الإسرائيلية - الاميركية.

فإسرائيل اليوم لا تواجه حكومات، بل تواجه مشروع مقاومة. من حماس إلى حزب الله إلى الحوثيين إلى الحشد الشعبي. وهؤلاء لا يدخلون في حسابات "ردع كلاسيكي"، بل في حسابات وجودية.

من يستهدف قادة لحماس في قطر، ووزراء يمنيين في صنعاء، ويغتال امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، ويغتال قادة خماس وكل من خطط لطوفان الأقصى، ودمر القدرة العسكرية للجيش السوري، ما الذي يمنعها من تنفيذ نفس المخطط في لبنان وسوريا في نفس التوقيت؟.

ومن يغفل عن تصريحات نتنياهو المتكررة بأن هذه الحرب ليست ضد غزة فقط، بل ضد كل من يشكل تهديدًا لـ"مشروع إسرائيل الإقليمي"، يقرأ الحرب بعين واحدة. عمليات الاغتيال من نصرالله في بيروت إلى قادة حماس في غزة، ومرورًا بقصف اليمن وسوريا، ليست سوى حلقات في مسلسل التوسع الاستراتيجي الإسرائيلي تحت غطاء أمريكي بحت.

مجلس التعاون الخليجي… هل سيبقى متعاونا؟

قطر، بوصفها عضوًا في مجلس التعاون الخليجي، تلقت ضربة على أراضيها. هل نسمع بيانًا خليجيًا مشتركًا؟ هل نرى إجراءات دبلوماسية أو حتى إدانة اقتصادية؟ أم أن المصالح مع واشنطن وتل أبيب أكثر أهمية من السيادة الخليجية نفسها؟

وإذا لم تتحرك دول الخليج اليوم، فما الذي سيمنع إسرائيل من تكرار السيناريو في أنقرة، أو بغداد، أو حتى الرياض؟ هل ستكون الدوحة هي البداية أم مجرد واحدة من سلسلة حلقات في فيلم "إسرائيل تحكم من السماء"؟

المفارقة أن هذا الهجوم قد يتحول إلى فرصة دبلوماسية لقطر، تمامًا كما حدث مع الملك حسين في 1997 حينما حاول الموساد اغتيال خالد مشعل. حينها، انتزع الأردن من إسرائيل صفقة تبادل أسرى وإفراج عن الشيخ أحمد ياسين. فهل تفعلها الدوحة؟ هل تستخدم هذه الصفعة ككرت دبلوماسي لفرض شروط على إسرائيل أو الضغط دوليا لوقف الإبادة في غزة؟

من سيوقف الثور الإسرائيلي الهائج؟

ما يجري اليوم ليس مجرد اغتيالات، بل مشروع استراتيجي لإعادة صياغة المنطقة بقوة النار، وتحويل كل من يعارض هذا المشروع إلى "هدف مشروع"، وخير دليل على هذا حزب الله وسلاحه الذي يجاهد أزلام اسرائيل وصبيان أميركا على تصفية الحزب ونزع سلاحه بالقوة، وإذا كانت قطر قد ضُربت لأنها احتضنت مفاوضي حماس، فمن التالي؟ هل ننتظر القصف في أنقرة؟ بغداد؟ أم أن لبنان سيبقى في ساحة التصفية المفتوحة؟ لأنه من المؤكد أن إسرائيل لم تختبر صواريخها في الدوحة، بل تختبر صمتنا وعجز أمتنا وإنصياع حكامنا أمام مشروعها.

زينة أرزوني- اللواء