إسرائيل تواجه مأزق التفوّق الاستراتيجي!
حجم الخط
لا يُمكن وصف التطوّر العسكري الخطير الذي ضرب المنطقة فجر السبت الماضي، عندما تمكنت وسائط الدفاع الجوية، من إسقاط مقاتلة عسكرية إسرائيلية من نوع «أف - 16»، وإصابة ملاحيها الاثنين بجروح تراوحت بين المتوسطة والخطيرة، لا يُمكن وصف هذه التطوّر إلا «بالحدث الاستراتيجي»، الذي من شأنه أن يؤسّس لمرحلة بالغة التعقيد، في لعبة المصالح الكبرى في الشرق الأوسط الغارق، حتى أخمص قدميه بالدم والحرائق الممتدة من كراتشي إلى أصغر نقطة في بلاد الشام السورية، من الغوطة إلى عفرين ومنبج وادلب وكل أرياف الشمال السوري.
لم تكن الوقاحة الإسرائيلية بالتمادي في لعبة استهداف المواقع العسكرية للجيش السوري، والأهداف الإيرانية، على حدّ المزاعم الإسرائيلية، فضلاً عن استهداف ما تدعيه قوافل الأسلحة والصواريخ لحزب الله، بنت ساعتها، فهي منذ أن أصبح الجنوب السوري (منطقة الجولان) تتنازعه قوى محور المقاومة، والجماعات المسلحة، التي تحظى بدعم غربي - أميركي - إسرائيلي، حتى اتخذت القيادتان السياسية والعسكرية في إسرائيل قراراً بالتدخل المباشر، عبر غارات بالطيران، ومساعدات لوجستية للجماعات المناهضة، والمقاتلة بوجه النظام السوري، والمحور الإيراني - الشيعي العربي الداعم له.
مع التدخل العسكري الدولي، تغيّرت قواعد الاشتباك الدولي - الإقليمي في سوريا، لذا تعيّن على الفريق الإسرائيلي، ضمن وضعيته الإقليمية والدولية، ترتيب تفاهمات مع روسيا في سوريا، من زاوية «المصالح المتفاهم عليها»، لكل بلد، فبنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، دأب على اجراء لقاءات قمم متعددة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أعاد الاعتبار للاتحاد الروسي، كقوة توازن دولي، بمواجهة الولايات المتحدة الأميركية، وحلف الناتو، والدول والجماعات السائرة في الفلك الأميركي.
تتحدث المعلومات ان نتنياهو قال لبوتين، الذي دأب على التعامل مع المسؤول الإسرائيلي الأوّل بقلة مبالاة، ان إسرائيل تتفهم مصالح روسيا في سوريا.. وهي لن تعارض، أو تتدخل ضد هذه المصالح، وغير معنية بالخلافات الأميركية - الروسية، أو بلعبة المصالح الإقليمية الأخرى.
أما المصالح الإسرائيلية، فهي تتعلق بنقطة وحيدة، عدم تمكين إيران من ان تتحوّل إلى «لاعب آمن» في سوريا، بعد التوسع الحاصل لمصلحتها، بدءاً من الاتفاق النووي، وصولاً إلى التطورات العراقية، وما يُمكن اعتباره بهزيمة داعش هناك، مروراً بباب المندب، وحرب اليمن بكل أبعادها السياسية والجيوسياسية.
في المرحلة الأولى من الحرب، كانت إسرائيل تنظر الى المشهد عبر نظرية إنهاك الجيش السوري، ووحدات حزب الله، عبر الخسائر الكبيرة التي مُني بها الجانبان في الحرب الدائرة بوجه «داعش» و«النصرة» وتنظيمات أخرى تعمل في «الغوطتين»، امتداداً إلى مناطق الشمال والجنوب السوريين، تبدّلت اوجه الحرب، وتهاوت مقولات أو رهانات تتعلق بسقوط نظام الرئيس بشار الأسد، وحتى المفاوضات السياسية، سواء في سوتشي أو اوكرانيا، أو جنيف لم تتمكن من إضعاف بنية النظام لا السياسية ولا الدبلوماسية.
ذهب نتنياهو مرّة جديدة إلى روسيا، واجتمع مع «النمر الروسي» الذي تنتظر الولايات المتحدة يوم 2024 حتى يخرج من لعبة القرار في الكرملين، وطلب نتنياهو، بما يشبه الوقاحة، من مستضيفه ان يردع التواجد العسكري والسياسي الإيراني، بما في ذلك، وهذا يعني ان إسرائيل لن تتدخل عسكرياً في سوريا.
تتحدث المصادر عن استياء روسي من نظرية الإملاءات التي تتبعها إسرائيل مع الدول، سواء أكانت حليفه أم لا..
المهم أن الجانب الروسي أخذ علماً بأن غارات جديدة ستشن على مواقع سورية، تعود للنظام، وان غارات ستستهدف حزب الله، والحرس الثوري والمصالح الإيرانية في سوريا.
من المؤكد (مع نقص في المعلومات) ان نتنياهو اثار غير مرّة مع الزعيم الروسي، القوي مسألة صواريخ اس.اس.300، والدفاعات الجوية المتطورة (نظام صواريخ سام 7 وبعده) وإمكانية استخدامها في مواجهة الطائرات أو الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا.
لكن الإجابة المعروفة، ان بوتين صغى باستياء إلى المطالب الإسرائيلية، من أول الطريق إلى آخرها.. وشعر نتنياهو انه لم يبق امامه الا الاستهداف عبر الجو للأهداف الاستراتيجية العسكرية في سوريا.
كانت الدبلوماسية الإسرائيلية، وقيادة الأركان، تحاول، على نحو دؤوب إيهام العالم انها في موقع الدفاع الاستراتيجي عن النفس، وليست في وضعية تقضي بحرب مفتوحة أو واسعة في المنطقة العربية، حيث يتغيّر الوضع بالنسبة لمحور إيران - سوريا - حزب الله، وحتى بغداد، وجهات أخرى، بالتحالف مع روسيا، التي ترتبط بشبكة من المصالح مع إيران ومحورها، في لعبة مصادر الطاقة من نفط وغاز، وانعكاساتها على البنى الاقتصادية للدول الصناعية الكبرى في العالم، ومنها روسيا الاتحادية والولايات المتحدة، ودول أوروبا الغربية الأكثر تأثيراً كفرنسا وألمانيا وبريطانيا.
مع إسقاط الـ «اف - 16» المقاتلة الإسرائيلية العملاقة، لم تعد الغارات على سوريا سالكة وآمنة، فالموقف تبدّل، وترسانة الاسلحة الروسية «لدول المحور» قادرة على الفتك بالأسلحة الأميركية لإسرائيل.
وسط هذه الأجواء، يصل ريكس تليرسون، وزير الخارجية الأميركي إلى بيروت، وهو الخبير النفطي وتاجر الغاز ومصادر الطاقة حول العالم، وذلك من ضمن جولة شرق أوسطية، ليجد امامه مادة ملتهبة، سيعلن انه يعمل على نزع فتيلها، مع العلم ان نتنياهو سارع إلى إبلاغ بوتين ان إسرائيل ليست في وارد التصعيد، كذلك فعل مع «حليفه الطائش» دونالد ترامب الذي يطيّر «فقاقيع التصريحات العنترية»، وهو في الطائرة أو خلال تمضية إجازة مع زوجته الشابة ميلانيا، وهو يرعد ويتوعد من كوريا الشمالية إلى إيران الآسيوية.
استبق لبنان وصول الوزير الأميركي بتقديم شكوى لمجلس الأمن ضد اسرائيل بسبب استباحة اجوائه، وفي انحياز مباشر ضد إسرائيل واعتداءاتها.
ليس من شأن أي حادث أياً يكن ان يغيّر قواعد اللعبة.. المسألة تتعلق بتحوّلات لم تعد معها إسرائيل اللاعب المطلق الصلاحيات، في الميدان العسكري.. والباقي على الطريق؟!






