أنطوان جبران*
أولاً - مقدمة
دأبت روابط القطاع العام، في عشرات الكتب والبيانات الصادرة عنها، على عرض معاناتها ومطالبها بتحسين الرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية بهدف الوصول إلى سلسلة رتب ورواتب جديدة. وبنتيجة التحركات على الأرض وبعد سلسلة من المراجعات، وعدت الحكومة بتحسين الرواتب، بصورة تدريجية، وذلك اعتباراً من الأشهر الأولى للعام ٢٠٢٦، بحيث تصبح ٣٠ ضعفاً (أي نصف ما كانت عليه سنة ٢٠١٩ بالدولار الأميركي) وعلى أن يدفع النصف الباقي على خمس دفعات بمعدل ٦ أضعاف كل ستة أشهر. ولتحقيق هذه الغاية والانتقال بالموضوع من المستوى النظري إلى المستوى العملي، بادر تجمع روابط القطاع العام (عسكريين ومدنيين) إلى إعداد مشروع قانون متكامل رفعه إلى فخامة رئيس الجمهورية بتاريخ ٢٣/ ١٢/ ٢٠٢٥ مع أسبابه الموجبة ودراسة مختصرة للوضعين النقدي والمالي.
ثانياً - قرار مجلس الوزراء رقم ٢ تاريخ ١٦/٢/٢٠٢٦
بعد سلسلة من اللقاءات والتحركات، وبعد متابعة حثيثة قامت بها روابط القطاع العام، منفردة او مجتمعة ضمن إطار تجمع روابط القطاع العام (عسكريين ومدنيين)، وافق مجلس الوزراء في قراره رقم ٢ تاريخ ١٦/٢/٢٠٢٦ على مشروع مرسوم يرمي إلى إعطاء تعويض مؤقت اعتباراً من ١/٣/٢٠٢٦ لجميع العاملين في القطاع العام والمتقاعدين الذين يتقاضون معاشاً تقاعدياً، يوازي ستة أضعاف الراتب الأساسي أو التعويض أو الأجر الشهري أو المعاش التقاعدي، على أن تعتمد المتممات العسكرية المنصوص عليها في قرار وزير المالية رقم ٤/١ تاريخ ١٠/١/٢٠٢٣. وطلب مجلس الوزراء الى وزارة المالية إعداد مشروع القانون اللازم لفتح الاعتمادات المالية لتغطية النفقات الناتجة عن الزيادة المقررة.
كما طلب مجلس الوزراء في قراره المذكور، أن تتم دراسة مشروع قانون تصحيح الرواتب المعدّ من قبل مجلس الخدمة المدنية في مهلة أقصاها نهاية شهر آذار ٢٠٢٦، وعلى أن يلحظ هذا القانون زيادة على الرواتب اعتباراً من ١/١/٢٠٢٧ لتصبح ٣٠ ضعفاً أي ما يعادل ٥٠ بالمئة من قيمة تلك الرواتب في العام ٢٠١٩.
ثالثاً - الوضع الراهن
في ضوء ما تقدّم، أعدّت وزارة المالية مشروع القانون ذا الصلة بالمضاعفات الستة، وعرضه السيد وزير المالية على مجلس الوزراء في جلسته التي انعقدت بتاريخ ٣٠/٤/٢٠٢٦، حيث وافق المجلس على مشروع القانون وعلى مشروع مرسوم إحالته إلى مجلس النواب وفقاً للأصول. وكلنا ثقة ان هذا المشروع سيعطى المجرى القانوني المستحق، وبالسرعة الممكنة، بعد أن باتت الأوضاع المعيشية للعاملين في القطاع العام وللمتقاعدين، ضاغطة لا بل خانقة وتتطلب اتخاذ خطوات إنقاذية عاجلة، وبخاصّة بعد الأعباء الإضافية التي جرى فرضها مؤخراً وما رافقها من غلاء مستجد.
ونظراً لتصاعد أصوات تعارض إعطائنا الزيادة المقررة وتهوِّل باهتزاز سعر الصرف، يهمّنا أن نوضح للرأي العام ان هذه الزيادة ليست ٦ رواتب بالمعنى المتعارف لتسمية «راتب»، بل هي ٦ أجزاء من راتب تشظى بفعل الانهيار النقدي إلى ٦٠ جزءاً ولم يبقَ لنا إلّا ١/٦٠ منه وفقدنا ٥٩ جزءاً، وبعد مراجعات عديدة أصبح لدينا ١٣ جزءاً من الراتب. وإذا أضفنا إليها الأجزاء الستّة موضوع قرار مجلس الوزراء رقم ٢ تاريخ ١٦/٢/٢٠٢٦ نصل إلى ١٩ جزءاً من ٦٠.
رابعاً - في النتيجة
ان القول اننا نتقاضى راتباً هو قول غير دقيق في الحالة الحاضرة، حيث اننا نتقاضى أشلاء راتب: نستند إلى هذه الأشلاء وهي حالياً ١٣ ضعفاً، لتأمين المتطلبات الضرورية للعيش لنا ولعائلاتنا التي ارتفعت فاتورتها ٦٠ ضعفاً على الأقل في ظل دولار جمركي رفعته الحكومة ٦٠ ضعفاً، ولتأدية ضرائب ورسوم زادت بفعل التشريعات المتتابعة أكثر من ٩٠ ضعفاً. وكان من العدل لو ترافق رفع قيمة الدولار الجمركي والضرائب والرسوم، مع رفع الرواتب بالنسبة ذاتها، أما وان الأمر قد تم على النحو المعروف حيث تسارعت الخطى في فرض الأعباء وتباطأت في إعطاء الحقوق، فان الاستمرار في هذا النهج لا يمكن إدراجه تحت وصف الحرص على المال العام وعلى الاستقرار النقدي، بل هو في الحقيقة تمادٍ في غض النظر عن ظلم موصوف.
وعليه إن إضافة المضاعفات الستة باتت ضرورية وملحّة في الوضع المعيشي الحالي لحماية الأمن والأمان الاجتماعي. وهذه الإضافة لا تعدو كونها استعادة لأجزاء من راتب متشظٍ لن يعود راتباً كاملاً إلّا بإعادة كل أجزائه المفقودة. وتبقى أعيننا على التزام الحكومة بقرارها رقم ٢ تاريخ ١٦/٢/٢٠٢٦ بأن تصبح الرواتب ٣٠ ضعفاً اعتباراً من ١/١/٢٠٢٧ أي ٥٠ بالمئة من قيمتها سنة ٢٠١٩، تمهيداً لاستعادة كامل هذه القيمة تدريجياً وفق ما سبق بيانه أعلاه.
خامساً - خاتمة ومقترحات
وإن كان إعطاء الحقوق لمستحقيها هو جانب مهم، إلّا أن الجانب الأهم هو إعادة الانتظام إلى قطاع الرواتب والتعويضات، حيث إننا نلاحظ في القطاع العام إدارتين: واحدة كأنها واحة، وأخرى كأنها صحراء، الأمر الذي انعكس سلباً على مبدأ التضامن الاجتماعي الذي يقتضي ان يسود بين الجميع في تحمّل أعباء الوضع الاقتصادي للبلاد.
وفي هذا السياق نقترح:
• عند إعطاء المضاعفات الستة، فانه من الأهمية بمكان وضع حد أدنى وحد أقصى يصيب إجمالي قيمة المضاعفات كلها (أي الراتب الأساسي والمضاعفات الحالية مع المضاعفات الستة الجديدة) ولا يصيب فقط قيمة المضاعفات الستة الجديدة، وبذلك تكون الأعباء المالية أخفّ على الخزينة من جهة، ومن جهة أخرى تذهب الزيادة إلى الأشخاص المستحقين لها فعلاً.
• اعتماد سلسلة الرتب والرواتب النافذة عند إجراء أي تعاقد أو تعيين جديد، وفي أي موقع كان ودون أي استثناء، على أن يصار بعد تحديد الراتب المستحق قانوناً للشخص المعني، إلى مضاعفة هذا الراتب بنفس عدد المضاعفات الساري المفعول بتاريخ إجراء هذا التعاقد أو التعيين.
• إعادة العمل اعتباراً من بداية السنة المالية الجديدة في ١/١/٢٠٢٧، بالحد الأقصى للتعويضات المدفوعة من المال العام، على أن يؤخذ في الاعتبار لأجل احتساب الحد الأقصى المذكور الراتب الأساسي للشخص المعني مع المضاعفات.
ان الخطوات التي نقترحها أعلاه، بسيطة ومتاحة، وتشكّل بداية واعدة على صعيد ترشيد الإنفاق وتفعيل الضوابط وإعادة الانتظام إلى قطاع الرواتب والتعويضات.
* مدير عام - رئيس إدارة الموظفين (سابقاً).
رئيس المجلس الوطني لقدامى موظفي الدولة.
منسق تجمع روابط القطاع العام.