بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 كانون الثاني 2026 12:00ص إيران في مرمى إعادة التشكيل: مواجهة الكسر دون هزيمة..!؟

حجم الخط
عباس المعلم*

لم تعد إيران مجرّد بندٍ على جدول الاستهداف الأميركي – الإسرائيلي، ولا ملفاً قابلاً للإدارة عبر الضغوط والعقوبات والتهديدات المتدرّجة. نحن أمام مواجهة خرجت من طور الاحتواء إلى منطق الكسر المحسوب، ومن سياسة الإنهـاك الطويل إلى مشروع الصدام المفتوح وإعادة التموضع. فكلّ الأنظار المتجهة اليوم إلى طهران لا تعبّر عن قلقٍ عابر، بل عن إدراكٍ متزايد بأن الجمهورية الإسلامية باتت عقدة جيوسياسية صلبة في قلب الصراع على شكل الإقليم ومستقبل النظام الدولي.
لقد فرضت إيران، رغم اختلال موازين القوى، معادلة نديّة فعلية في مواجهة الولايات المتحدة عالمياً، وإسرائيل إقليمياً، ومع منظومة من الأنظمة والجماعات الوظيفية التي تتحرّك ضمن المدار الأميركي هدفاً واستراتيجيةً وأداة. وما يُسوَّق من عناوين عن جبهات وملفّات وخلافات فرعية ليس سوى ستارٍ دخاني يخفي جوهر الصراع الحقيقي: إسرائيل تريد تفوّقاً مطلقاً بلا كلفة، وأميركا تريد عالماً مُطواعاً تُمسك بمفاصله من الطاقة إلى التكنولوجيا، ومن الأمن إلى الاقتصاد.
من هذا المنطلق، فإنّ الحرب المحتملة على إيران لا يمكن قراءتها كامتدادٍ تلقائي لسياسة العقوبات أو الضغوط المركّبة، بل كقطيعةٍ معها. إنها مواجهة تهدف إلى اختبار قدرة النظام الإيراني على الصمود وإعادة التموضع، لا إلى تعديل سلوكه فقط. المطلوب إيران مضبوطة السقف، محدودة الهامش، غير قادرة على إنتاج تهديد استراتيجي فعّال لإسرائيل، لا الآن ولا في المدى المنظور.
تواجه طهران هذا الاستحقاق وهي شبه وحيدة في ميدان دولي بالغ القسوة. أوروبا تحوّلت إلى كيان مترهّل، تابع وظيفياً للقرار الأميركي، غائب الإرادة، حاضر البيانات. وروسيا غارقة في مربّع الحرب الأوكرانية، مكبّلة الحركة، محدودة النفوذ خارج فضائها المباشر. أمّا الصين، فتفضّل سياسة الانتظار البارد، شراء الوقت، ومراقبة الاشتباك من مسافة محسوبة، على أمل احتواء الاندفاعة الأميركية أو تدويرها بما يحفظ لبكين توازنها الاقتصادي وإمبراطوريتها الصناعية.
حتى حلفاء إيران في الإقليم، رغم قدرتهم على الإزعاج وخلط الأوراق، غير قادرين - موضوعياً - على توفير مظلّة ردع حاسمة أو خوض مواجهة مباشرة شاملة، ما يجعل إيران أمام واقع أقرب إلى صدام دولي مركّب، تُستخدم فيه أدوات متعددة، ويُدار بلا أقنعة، ويُخاض من دون شبكة أمان تحالفية صلبة.
ومع ذلك، فإنّ الرهان على سقوطٍ سريع أو انهيارٍ دراماتيكي يبقى رهاناً متسرّعاً. فإيران ليست دولة هشّة ولا نظاماً بلا أدوات. هي قادرة، إذا فُرضت المواجهة، على إلحاق أذى بالغ، وربما غير مسبوق، بالمصالح الأميركية والإسرائيلية، وعلى توسيع دائرة الكلفة إلى مستويات تتجاوز الحسابات التقليدية. غير أنّ هذه القدرة، مهما بلغت، لا تعني بالضرورة خروجها من الصدام كما دخلته.