الاتجاه الإجباري: خرائط المنطقة الجديدة وتفكيك ترسانة حزب الله (٢)
إذا كان اتفاق إسلام آباد رغم هشاشته قد عرّى سلاح حزب الله من غطائه الأيديولوجي والإقليمي، فإن «الاتفاق الإطاري الثلاثي» المبرم في واشنطن، رغم الاستمرار في خرقه، قد شكّل الطوق الميداني والقانوني الذي يحظر أي محاولة للالتفاف على منطق الدولة. ولم يعد هذا المسار ترفاً سياسياً أو خياراً خاضعاً للنقاش في الصالونات الدبلوماسية الباردة، بل فرضته توازنات القوة والحديد والنار؛ إذ يواجه الجنوب اللبناني فصولاً دامية ومستمرة من الاعتداءات الإسرائيلية التي لا تتوقف، بالتزامن مع اشتعال العمق الإيراني إثر تجدد الضربات العسكرية الأمريكية المركزة ضد منشآت طهران الاستراتيجية.
وتُشير القراءات السياسية والدبلوماسية المتقاطعة إلى أن هذا الاتفاق لم يُصغ كإعلان نوايا دبلوماسي قابل للتسويف والمماطلة، بل أُرسيت بنيته التنفيذية على أربع ركائز بنيوية تجعل من بسط سيادة الدولة مساراً حتمياً غير قابل للمناورة، لإنقاذ البلاد من التدمير والإنهاء الكامل.
• المعادلة الاقتصادية (الإعمار مقابل نزع البنية التحتية)
تُمثل هذه الركيزة الأداة الأكثر تأثيراً وعمقاً في واقع الأرض المنهك؛ حيث يربط الاتفاق الثلاثي تدفق أموال المانحين الدوليين، المخصصة لإعادة إعمار القرى المهدومة وإغاثة مئات آلاف النازحين جراء الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، بمسار أمني صارم ومرحلي يُعرف بـ«المناطق التجريبية».
وتؤكد التقارير المالية أن الآلية المتفق عليها تمنع أي تدفق نقدي مباشر خارج قنوات الدولة الرسمية وعبر كيانات موازية؛ حيث تشترط الدول المانحة والصناديق الدولية قبل البدء بأي مرحلة إعمارية «التحقق الكامل والتقني من تفكيك البنية التحتية لحزب الله في المنطقة المستهدفة».
• رفع المظلة اللوجستية الإيرانية وتجفيف الشرايين
لم يكتفِ التفاهم الدولي بمعالجة الشق اللبناني داخلياً، بل امتد ليقفل الشرايين الحيوية التي كانت تغذي ترسانة الحزب عسكرياً ولوجستياً، تماشياً مع مندرجات تفاهم إسلام آباد.
وتكشف المعطيات عن صياغة بروتوكول أمني صارم يخص المعابر والحدود اللبنانية، يرتكز على مسارين:
- ضبط الحدود البرية والبحرية: يتضمن الاتفاق إرساء منظومة رقابة تقنية وبشرية مشددة على طول الحدود اللبنانية - السورية، وبإشراف مباشر من وحدات متخصصة تابعة للجيش اللبناني ومجهزة بأنظمة رصد متطورة، إلى جانب تشديد الرقابة الشاملة على الموانئ البحرية ومطار بيروت الدولي لضمان عدم تسرب الشحنات غير الشرعية.
- تجفيف منابع الإمداد: هذا الإجراء العملي يهدف إلى إنهاء عصر الشحنات العسكرية العابرة للحدود؛ حيث تلتزم طهران، بوقف تزويد الفصائل المسلحة بالإمدادات اللوجستية كشرط لاستدامة اعفاءاتها النفطية. إن انقطاع هذا الشريان اللوجستي يحوّل السلاح الموجود حالياً في لبنان إلى مخزون ثابت ومحدود يفقد قدرته على التجدد أو التطوير بعد جولات الاستنزاف، مما يفرض حدوداً زمنية واضحة لفاعليته الميدانية.
• مأسسة الرقابة عبر اللجنة الثلاثية ومفهوم «السيادة الذكية»
تجاوز الاتفاق الإطاري ثغرات القرارات الدولية السابقة (مثل القرار 1701 الذي عانى من مرونة التأويل وقصور التنفيذ) من خلال إرساء آلية تنفيذية لا تترك هامشاً للتفسيرات الرمادية، وذلك عبر استحداث «اللجنة العسكرية الثلاثية للرقابة والتنسيق»، والتي تضم الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، والجيش اللبناني.
وتكمن قوة هذه اللجنة في منحها صلاحيات التحقق الميداني الفوري والتفتيش الصارم، حيث تتولى الشرعية اللبنانية متمثلة في مؤسسة الجيش قيادة العمليات على الأرض وبسط السيطرة، مدعومة بغطاء تكنولوجي واستخباراتي متطور يرصد بدقة حركة المستودعات والمنشآت تحت الأرض وفوقها.
• العزلة السياسية وتثبيت صفة «التمرّد القانوني»
تتجلّى الركيزة الأخيرة في التحول البنيوي لشرعية السلاح في القاموس السياسي والدستوري اللبناني؛ فلم تعد الترسانة العسكرية مغطاة ببيانات وزارية فضفاضة تقوم على ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة» الساقطة عملياً تحت وطأة الخلل الميداني والاعتداءات المستمرة، بل باتت السلطة التنفيذية والتشريعية في البلاد ملتزمة علناً ورسمياً بالاتفاق الإطاري وبالمبدأ الدستوري الصارم الذي يحصر احتكار عناصر القوة والسلاح بيد الدولة وحدها.
ويؤكد الخبراء القانونيون أن لجوء الحزب إلى معارضة هذا الاتفاق، قد ينقل الملف قانونياً من إطار «وجهة النظر السياسية» أو «الخلاف المشروع حول استراتيجية الدفاع الوطنية»، إلى خانة «التمرد المكشوف على الدستور والمؤسسات الشرعية المستعادة». هذه العزلة السياسية الخانقة أفقدت السلاح قدرته التاريخية على استخدام مؤسسات الدولة كدرع دبلوماسي لحمايته في المحافل الدولية، وجعلته يواجه حصاراً تشريعياً ومجتمعياً محلياً يتكامل ويتناغم مع الضغوط الميدانية والاقتصادية المفروضة.
• المسار الإجباري نحو كنف الدولة
إن هذه الركائز الأربع، تؤكد أن الخيارات المتاحة أمام حزب الله قد ضاقت إلى حد كبير، ولم يعد الرهان على عامل الوقت أو تغير موازين القوى مجدياً في ظل مواصلة إسرائيل قضم الجنوب.
في المحصلة، يتضح أن المسار التنفيذي للاتفاق الإطاري الثلاثي هو مسار إجباري ذو اتجاه واحد وعناوين واضحة؛ فإما الانخراط في تسوية تفضي إلى تفكيك البنية العسكرية تدريجياً والانضواء الكامل في الحياة السياسية والمؤسساتية تحت سقف الدستور والقانون اللبناني، أو الذهاب نحو مواجهة صفرية مكشوفة وغير متكافئة تفقد فيها الترسانة العسكرية ما تبقى لها من وظيفة استراتيجية.
- يتبع في الجزء الثالث: الجدولة المتزامنة.. الانسحاب الإسرائيلي وتسليم السلاح بالتوازي الجغرافي






