الاتجاه الإجباري: خرائط المنطقة الجديدة وتفكيك ترسانة حزب الله (٤)
مع اقتراب نهاية العام الجاري، وفي ظل العد التنازلي الحاسم لإنهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في الحادي والثلاثين من كانون الأول المقبل، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة إعادة صياغة أمنية غير مسبوقة. فقرار مجلس الأمن رقم 2790، الذي تبنّاه بالإجماع في 28 آب 2025 بمبادرة فرنسية، مدّد ولاية القوة لستة عشر شهراً أخيرة، على أن يُستكمل انسحاب نحو 10800 عنصر عسكري ومدني من نحو خمسين دولة خلال عام كامل يمتد حتى منتصف 2027 أو نهايته. جاء هذا القرار تحت ضغط أميركي - إسرائيلي مباشر، بعد سنوات من الانتقادات لعجز القوة عن منع تجدّد القتال أو ضمان خلو المنطقة الحدودية من السلاح، وهو ما يفتح الباب أمام تفكير جديّ بنموذج بديل يتجاوز صياغات البند السادس الفضفاضة التي قيّدت حركة اليونيفيل طوال عقود ومنعتها من التفتيش المباغت أو المبادرة الميدانية المستقلة.
• تصوّر التحالف الدولي: الخروج من عباءة الفيتو
يتردد في العواصم الغربية تصوّر مفاده أن القوة البديلة، إن تشكّلت، من الأفضل ألا تولد من رحم مجلس الأمن نفسه، تجنّباً لقيود الفيتو المتبادل التي طبعت النظام الدولي القديم، بل عبر تحالف موسّع تقوده أطراف أوروبية وازنة كفرنسا وإيطاليا، بدعم استراتيجي ولوجستي أميركي، وبتنسيق كامل مع السلطات الدستورية في بيروت لمنح أي ترتيب جديد غطاءً سيادياً واضحاً. وقد بدأ هذا التصور يأخذ ملامح فعلية: فقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني نيتهما تشكيل «ائتلاف متعدد الجنسيات» لمرحلة ما بعد اليونيفيل، فيما تقدّم وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بمقترح مختلف يقضي بتشكيل قوة أوروبية بتفويض من الاتحاد الأوروبي مباشرة لا من الأمم المتحدة، بهدف سد أي فراغ أمني محتمل. غير أن الفارق بين الطرحين لا يزال قائماً بلا حسم، وتؤكد مصادر أوروبية متابعة أنه «لا تصور نهائي» متفق عليه بعد لطبيعة هذه المهمة ولا لصلاحياتها.
• المحاور التي يجري تداولها لعمل القوة المقترحة
في حال تبلور أي من هذين المسارين إلى ترتيب فعلي، تشير الأفكار المتداولة في أوساط دبلوماسية غربية إلى أن عمل القوة البديلة قد يتوزع على ثلاثة محاور رئيسية، مكمّلة لخطة الانتشار التي يقودها الجيش اللبناني:
1. الإسناد الاستخباراتي التقني: تشغيل منظومة رقابة تشمل طائرات مسيّرة غير مسلحة وأقمار مراقبة تكتيكية وأجهزة رصد حراري، مع مشاركة مباشرة لهذه المعطيات مع قيادة الجيش اللبناني لكشف أي مستودعات أو أنفاق سرية تمهيداً لتفكيكها.
2. تأمين الطوق البحري والحدودي: تولي مهام تفتيش واعتراض في المياه الإقليمية والموانئ اللبنانية لمنع خطوط إمداد عسكرية قادمة من الخارج، إلى جانب بعثة فنية لضبط الحدود البرية بأنظمة استشعار حديثة.
3. دعم قدرات الأمن الداخلي: بعثة تدريب وتجهيز أوروبية لجهاز قوى الأمن الداخلي اللبناني، لتمكينه من ضبط الاستقرار في القرى الجنوبية وتفريغ الجيش للتركيز على مهامه الدفاعية على الجبهة.
هذه المحاور، وإن بقيت حتى الآن في خانة الأفكار المطروحة أكثر منها بنية معتمدة رسمياً، تعكس جوهر النقاش الدائر: كيف يمكن تفادي «عقيدة العجز التقني والقانوني» التي حوّلت اليونيفيل، بحسب منتقديها، إلى مجرد مراقب للانتهاكات بدل طرف فاعل في منعها.
• الملف حاضر في قمة عون - ترامب
لم يغب سؤال «اليوم التالي» عن أجندة القمة التي جمعت الرئيس جوزاف عون بنظيره الأميركي دونالد ترامب في واشنطن هذا الأسبوع. فقد حمل عون إلى ترامب مقترحاً مكتوباً حول آلية تفكيك ترسانة حزب الله، مقروناً بطلب مباشر بالضغط على إسرائيل لاستكمال انسحابها، فيما التقى وزير الخارجية ماركو روبيو وطالبه بتعزيز الدعم الأميركي الفني والمادي للجيش والمؤسسات الأمنية اللبنانية. وحرص الجانب الأميركي على تظهير التزامه العملي عبر التزامن المعلن بين الزيارة وإعلان انطلاق «المناطق التجريبية» الثلاث في فرون وصريفا وزوطر الغربية.
وفي موازاة القمة الأميركية، بحث عون الملف نفسه مع الرئيس الفرنسي ماكرون على خلفية نتائج المفاوضات الأميركية - الإيرانية في سويسرا، في وقت تصرُّ فيه إسرائيل على عدم الانسحاب من شريط أمني بعمق عشرة كيلومترات قبل نزع سلاح الحزب بالكامل، وهو ما يرجّح مراقبون تعثّره نظراً لتعقيدات المشهد الداخلي اللبناني ذاته.
• سحب المبررات الميدانية.. حتى لو تأخّر البديل
جوهر التحوّل الاستراتيجي الذي يناقشه الغربيون لا يكمن فقط في شكل القوة البديلة، بل في الرغبة المشتركة بإنهاء نموذج «الأمن بالتراضي» الذي استفاد منه حزب الله طوال عقدين للمناورة الجغرافية وتخزين ترسانته تحت أعين قوات دولية محدودة الصلاحيات. فأي وجود عسكري جديد، مهما كان شكله النهائي، يُراد له نقل المشهد من «مراقبة الانتهاكات وتسجيلها» إلى «منع وجود السلاح استباقياً»، بما يسحب من الحزب الذريعة السياسية القائلة إن القوات الدولية مجرد شاهد محايد لا يمسّ بوجوده الميداني. لكن هذا السحب التدريجي للمبررات، على أهميته، يبقى رهين مدى قدرة الأطراف المعنية على حسم شكل البديل قبل نهاية العام.
• اختبار الدولة والالتزامات الدولية
في المحصلة، لا يمثل انتهاء ولاية اليونيفيل «إغلاقاً تاماً» لفصل الغموض في جنوب لبنان بقدر ما يفتح فصلاً جديداً منه. فبين تصوّرين أوروبيين متنافسين لم يكتملا بعد، ومجلس أمن عاجز عن التوافق على تفويض جديد، وجيش لبناني لا يزال في طور بناء قدراته بدعم أميركي متزايد، يبقى السؤال الأهم مفتوحاً: هل ستنجح بيروت وحلفاؤها الدوليون في صياغة ترتيب أمني بديل قبل نهاية 2026، أم أن الجنوب اللبناني سيدخل عام 2027 من دون مظلة دولية واضحة، في وقت لا يزال فيه سلاح حزب الله وملف الانسحاب الإسرائيلي الكامل عالقين بلا حسم نهائي؟
وبقدر ما تحمله المرحلة المقبلة من مخاطر الفراغ، فإنها تحمل أيضاً اختباراً حقيقياً لجدّية الالتزامات الدولية التي رافقت الاتفاق الإطاري منذ توقيعه، ولمدى قدرة الدولة اللبنانية على تحويل الزخم الدبلوماسي الراهن إلى ترتيبات أمنية ملموسة قبل فوات الأوان.
انتهى






