بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 حزيران 2026 12:01ص الاتفاق الذي تجاوز النووي: إعادة توزيع النفوذ من الخليج إلى طهران

حجم الخط
سحر ضو

في الشرق الأوسط، لا تُقاس أهمية الحروب بعدد الصواريخ التي أُطلقت، بل بالخرائط التي يعاد رسمها بعد أن يتوقف إطلاق النار. وما جرى بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأسابيع الأخيرة يبدو أقرب إلى هذا النوع من التحولات؛ فالمسألة لم تعد تتعلق بمواجهة عسكرية انتهت، ولا حتى بملف نووي عاد إلى طاولة التفاوض، بل بعملية إعادة هندسة أوسع لموازين القوى والأمن الإقليمي ومسارات النفوذ في المنطقة.
من يقرأ التسريبات الأميركية والإيرانية المتقاطعة يدرك سريعاً أن ما أُعلن ليس اتفاقاً نهائياً، بل هدنة استراتيجية مؤقتة فرضتها حقائق الجغرافيا السياسية قبل أن تفرضها حسابات الميدان. فالطرفان وصلا إلى نقطة أدركا عندها أن استمرار المواجهة يهدد الركيزة الأكثر حساسية في الاقتصاد العالمي: أمن الطاقة وحرية الملاحة في مضيق هرمز.
لهذا السبب، يبدو مضيق هرمز اليوم أكثر أهمية من الملف النووي نفسه. فبينما انشغل العالم طوال سنوات بمعدلات التخصيب وأجهزة الطرد المركزي، كانت الأزمة الحقيقية تتشكل حول الممر البحري الذي يعبر منه جزء كبير من تجارة النفط العالمية. ومن هنا يمكن فهم سبب انتقال المفاوضات من منطق الردع العسكري إلى منطق إدارة المخاطر الاستراتيجية.
الواقع أن الاتفاق الأولي لا يحل أياً من القضايا الجوهرية التي فجّرت الصراع بين واشنطن وطهران. فلا البرنامج النووي حُسم، ولا العقوبات رُفعت بالكامل، ولا ملفات النفوذ الإقليمي أُغلقت. ما جرى هو إنشاء إطار مؤقت يجمّد عناصر الانفجار الكبرى ويمنح الطرفين فرصة لاختبار نيات بعضهما البعض.
في هذا السياق، تبدو الصيغة الأكثر ترجيحاً للملف النووي قائمة على تسوية وسطية تسمح لإيران بالحفاظ على حقها النظري في التخصيب، مقابل تعليق عملي طويل الأمد للأنشطة الحسّاسة وإخضاع المخزون النووي لرقابة دولية مشدّدة. وهي صيغة تمنح طهران مخرجاً يحفظ ماء الوجه السيادي، وتمنح إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يكفي من الإنجاز السياسي لتبرير أي تخفيف للعقوبات أمام الداخل الأميركي.
لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في بنود الاتفاق بقدر ما تكمن في أزمة الثقة العميقة بين الطرفين.
ففي طهران لا تزال تجربة عام 2015 حاضرة بقوة. الإيرانيون وقعوا اتفاقاً نووياً شاملاً ثم وجدوا أنفسهم أمام انسحاب أميركي أحادي منه بعد سنوات قليلة. لذلك باتت مسألة الضمانات تحتل موقعاً مركزياً في التفكير الإيراني. ولهذا تُطرح أفكار تتراوح بين إشراك روسيا والصين كضامنين، وتحويل الاتفاق النهائي إلى قرار ملزم من مجلس الأمن، وصولاً إلى الاحتفاظ بأدوات ضغط مرتبطة بمضيق هرمز يمكن استخدامها إذا انهارت التفاهمات مستقبلاً.
في المقابل، لا تبدو الشكوك الأميركية أقل عمقاً.
فالتسريبات المنسوبة إلى دوائر القرار في واشنطن تكشف عن انقسام واضح داخل الإدارة الأميركية نفسها. فمدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ينظرون بحذر إلى النيّات الإيرانية ويشككون في استعداد طهران لتقديم التنازلات النووية المطلوبة. بينما يدافع فريق آخر يضم نائب الرئيس جي دي فانس والمبعوث ستيف ويتكوف عن منح المسار التفاوضي فرصة كاملة باعتباره أفضل من العودة إلى التصعيد العسكري.
هذا الانقسام ليس تفصيلاً إجرائياً، بل يعكس معضلة استراتيجية أعمق داخل واشنطن نفسها: هل الهدف هو احتواء إيران ومنعها من امتلاك السلاح النووي فقط، أم دمجها تدريجياً في منظومة إقليمية جديدة؟
هنا تحديداً تبدأ الصورة الكبرى بالظهور.
فالمفاوضات لم تعد تدور حول أجهزة الطرد المركزي أو نسب التخصيب، بل حول شكل النظام الإقليمي المقبل. ولهذا جاءت التسريبات الأميركية محمّلة بإشارات غير مسبوقة تتحدث عن مشاريع اقتصادية ضخمة، وصندوق استثماري قد تصل قيمته إلى 300 مليار دولار، ومسارات لرفع العقوبات وإعادة دمج الاقتصاد الإيراني في الأسواق العالمية.
والأكثر أهمية أن واشنطن لم تعد تتحدث عن إيران بوصفها خصماً دائماً فحسب، بل كدولة يمكن إدماجها ضمن ترتيبات إقليمية جديدة إذا التزمت بالشروط المطلوبة. وهذا تحول جوهري في اللغة السياسية الأميركية مقارنة بالعقود الماضية.
بالتوازي مع ذلك، تكشف الأزمة عن إعادة رسم هادئة لخريطة الوسطاء الإقليميين.
لسنوات طويلة احتكرت سلطنة عُمان موقع القناة الأكثر موثوقية بين واشنطن وطهران. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال تدريجي لمركز الثقل نحو قطر وباكستان.
فالدوحة تحولت إلى غرفة العمليات الدبلوماسية الفعلية للمفاوضات، مستفيدة من قدرتها على التواصل مع جميع الأطراف ومن خبرتها المتراكمة في إدارة الأزمات المعقدة. أما إسلام آباد فبرزت كقناة اتصال سياسية عليا تمتلك القدرة على الوصول إلى دوائر القرار في واشنطن وطهران معاً.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد تبدل أسماء الوسطاء، بل بإعادة توزيع النفوذ داخل النظام الإقليمي نفسه. فالتاريخ السياسي للشرق الأوسط يثبت أن خرائط الوساطة غالباً ما تسبق خرائط النفوذ. وعندما تتغير القنوات التي تمر عبرها الرسائل الاستراتيجية، فإن موازين القوى تكون قد بدأت بالتغير فعلياً.
أما داخل إيران، فتبدو الانقسامات أكثر تعقيداً مما يظهر إلى العلن.
فالتيار الإصلاحي التقليدي الذي دعا طويلاً إلى الانفتاح على الغرب لم يعد يمتلك الوزن الذي كان يملكه سابقاً. في المقابل، يبرز تيار المحافظين البراغماتيين المحيط بالرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف باعتباره القوة الأكثر تأثيراً في المرحلة الحالية. هذا التيار لا يرفض التفاوض، لكنه يتمسك بخطوط حمراء واضحة تتعلق بحق التخصيب والضمانات المتبادلة والحفاظ على أوراق القوة الإيرانية في الخليج.
وفي مواجهته يقف التيار المتشدد المرتبط بسعيد جليلي، والذي يرى أن أي اتفاق جديد لن يكون سوى محطة انتقالية نحو ضغوط أميركية إضافية تستهدف تقليص عناصر الردع الإيرانية.
أما موقع مجتبى خامنئي والمؤسسات السيادية العليا، فيبدو أقرب إلى إدارة التوازن بين هذه التيارات المختلفة، مع الحرص على عدم ربط مستقبل النظام بخيار واحد بشكل كامل.
غير أن التطور الأكثر أهمية قد لا يكون في السياسة أو الأمن، بل في الاقتصاد العالمي نفسه.
فالأزمة الأخيرة دفعت شركات النقل والتجارة الدولية إلى تسريع الاستثمار في مسارات بديلة للشحن والطاقة، من الممر الأوسط عبر بحر قزوين والقوقاز إلى شبكات النقل الجديدة التي تربط آسيا بأوروبا. وهذا يعني أن بعض التداعيات الجيوسياسية للحرب قد تستمر حتى بعد انتهاء الحرب نفسها.
بمعنى آخر، قد يُعاد فتح مضيق هرمز، لكن العالم بدأ فعلياً البحث عن طرق تقلل اعتماده عليه.
لهذا كله، يصعب النظر إلى ما جرى باعتباره مجرد اتفاق لوقف التصعيد بين واشنطن وطهران. نحن أمام لحظة انتقالية قد تعيد تعريف العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، وتعيد توزيع أدوار الوسطاء الإقليميين، وتدفع نحو ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تمتد من الخليج إلى آسيا الوسطى.
السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الحرب قد انتهت، بل ما الذي سيولد من رحم هذه الهدنة.
ففي الشرق الأوسط، عندما تتغير قواعد الملاحة في هرمز، وتتبدل أسماء الوسطاء، وتُفتح قنوات اتصال لم تكن موجودة من قبل، فإن الاتفاق لا يكون نهاية أزمة... بل بداية مرحلة كاملة من إعادة تشكيل المنطقة.