يقصد بالتحقيق الأولي مجموعة الأعمال والإجراءات التي تباشرها الضابطة العدلية تحت إشراف النيابة العامة، فور علمها بوقوع جريمةٍ أو الاشتباه بارتكابها، وذلك بغرض كشف حقيقة حصولها وجمع الأدلة والمحافظة عليها وتحديد هوية الفاعلين والمساهمين فيها، تمهيدا لاتخاذ القرار المناسب بشأن تحريك الدعوى العامة أو حفظ الأوراق. ويستشف من ذلك أن الملف الجزائي لا ينشأ دائما أمام قاضي التحقيق أو القاضي المنفرد، بل يبدأ عمليا منذ اللحظة التي يفتح فيها أول محضرٍ لدى الضابطة العدلية.
وتكمن أهمية التحقيق الأولي في كونه المرحلة التي تجمع فيها أول المعطيات المتصلة بالجريمة، ويصار خلالها إلى ضبط الأدلة والمعاينات الأولية، واستماع الشهود، واتخاذ التدابير الهادفة إلى المحافظة على آثار الجريمة ومنع ضياعها أو تبدلها. ومن ثم، فإن ما يستحصل خلال هذه المرحلة يشكل في أحيانٍ كثيرةٍ الأساس الذي تبنى عليه سائر الإجراءات اللاحقة. ولهذا السبب يكتسب الحرص على صحة إجراءات التحقيق الأولي أهمية خاصة، لأن الخلل الجوهري الذي يشوبها قد يؤدي إلى استبعاد الأدلة المستمدة منها، أو إلى التشكيك في مشروعية النتائج التي أسفرت عنها، بغض النظر عن الجهة التي استندت إليها لاحقا.
ويختلف التحقيق الأولي عن التحقيق القضائي من حيث الطبيعة والغاية. فالأول تقوم به الضابطة العدلية بهدف جمع المعلومات والأدلة الأولية والتثبت من معطيات الجريمة ونسبتها إلى مرتكبها، أما الثاني فيباشره قاضي التحقيق بوصفه سلطة قضائية مستقلة، ويهدف إلى تمحيص الأدلة وتقدير قوتها القانونية واتخاذ القرار المناسب في ضوء مجمل عناصر الملف. غير أن وصف التحقيق الأولي بأنه مرحلة تمهيدية للإجراءات القضائية لا ينتقص من أهميته، لأن معظم الأدلة الأساسية في الدعوى الجزائية تظهر وتثبت خلال هذه المرحلة، بما في ذلك المضبوطات والمعاينات والتقارير الفنية وإفادات الشهود وسواها من العناصر الإثباتية.
وتقوم غاية التحقيق الأولي على موازنةٍ دقيقةٍ بين مصلحتين متلازمتين: الأولى كشف الحقيقة وجمع الأدلة والمحافظة عليها قبل ضياعها أو العبث بها، والثانية حماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد. فالمشرع لا يستهدف الوصول إلى الحقيقة بأية وسيلة، بل بوسائل مشروعةٍ تحترم الكرامة الإنسانية وحقوق الدفاع. ومن هنا لا تكفي صحة النتيجة بحد ذاتها، بل يجب أن تكون الوسيلة التي أفضت إليها مشروعة أيضا.
وانطلاقا من هذه الغاية، أخضع المشرع أعمال الضابطة العدلية لمجموعةٍ من المبادئ والضوابط الرامية إلى منع التعسف في استعمال السلطة، وإن كان قد منحها بعض الصلاحيات الاستثنائية في حالة الجريمة المشهودة. وأبرز هذه المبادئ مبدأ الشرعية الإجرائية الذي يقتضي ألا يتخذ أي إجراءٍ إلا بمقتضى نصٍ قانونيٍ يجيزه ويحدد شروطه وحدوده. كما يبرز مبدأ قرينة البراءة الذي يفرض التعامل مع المشتبه فيه بوصفه شخصا يتمتع بكامل حقوقه القانونية والدستورية، لا مجرما مفترضا. ويضاف إلى ذلك مبدأ احترام الكرامة الإنسانية وحظر أي شكلٍ من أشكال التعذيب أو الإكراه أو الضغط النفسي الرامي إلى انتزاع اعترافٍ أو حمل الشخص على الإدلاء بما يدينه. ويضاف إلى ما تقدم مبدأ حقوق الدفاع ومشروعية استقاء الأدلة، فلا تكون للدليل القيمة ذاتها متى كان الحصول عليه قد تم بوسائل تخالف القانون أو تمس الحقوق الأساسية المكفولة للأفراد.
ولا يكفي التقيد بهذه المبادئ عند القيام بالإجراءات، بل يجب إثبات ذلك بموجب محاضر أصولية. فالمحضر يعد الوعاء القانوني الذي توثق فيه الإجراءات المتخذة والنتائج التي أسفرت عنها. وعلى الرغم من أن محاضر الضابطة العدلية تشكل إحدى أهم وسائل الإثبات في الملف الجزائي، فإنها لا تتمتع بحجيةٍ مطلقة، بل تخضع لرقابة القضاء ولمناقشة الخصوم. وتستمد قوتها الثبوتية من أمرين أساسيين: صحة الإجراء الذي توثقه، وصحة تنظيم المحضر بحد ذاته. وكل خللٍ جوهريٍ يطاول أحد هذين العنصرين يمكن أن يفتح الباب أمام المحاججة في القيمة القانونية للمحضر وما يتضمنه من أدلةٍ ومعطيات.
وأول ما ينبغي التنبه إليه عند التحقق من صحة محاضر التحقيق الأولية هو مدى توفر الشروط الشكلية الواجب توفرها في المحضر، أولها ما يدل إلى أنه وثيقة عدلية منظمة وفق الأصول وعن سلطةٍ ذات صلاحية، وهذا ما يستدل عليه من البيانات الأساسية التي يتوجب أن يتضمنها المحضر، وهي: اسم وصفة القائم بالتحقيق واسم الكاتب، مكان تنظيم المحضر، تاريخ المباشرة بتنظيم المحضر وساعة وتاريخ ختمه، ساعة وتاريخ البدء بتنفيذ كل إجراءٍ وساعة الانتهاء منه، هوية الأشخاص المستمع إليهم مع تحديد صفة كلٍ منهم، هوية الشهود والخبراء، توقيع منظم أو منظمي المحضر على جميع صفحاته، كما تحت كب صياغةٍ توثق كل إجراءٍ من الإجراءات المتخذة، وتوقيع سائر الأشخاص المعنيين بالإجراء المتخذ، مع وجوب الإشارة إلى امتناع أيٍ منهم عن التوقيع عند حصوله وسبب ذلك. كما ينبغي أن يصار إلى ترقيم جميع صفحات المحضر كضمانةٍ لتسلسل إثبات الإجراءات وفق تسلسل تنفيذها، وخلوها المحتوى من أي تمحيص أو إضافاتٍ أو تعديلاتٍ لاحقةٍ لختم المحضر. إن التقيد بهذه الشكليات ينطوي على أهميةٍ كبرى باعتبارها تضفي موثوقية بما هو مدرج في متن المحضر وتعطيه مظهرا رسميا، ويتيح الفرصة أمام المراجع القضائية كما أطراف الخصومة للتحقق من مدى صحة المحضر كما الإجراءات التي يثبتها ومشروعيتها.
لا تتمتع المعلومات والإجراءات التي يتضمنها المحضر بقوتها الثبوتية لمجرد توفر الشروط الشكلية، إذ ثمة ضمانات إجرائية ينبغي توفرها لإضفاء القوة الثبوتية لما هو مدرج في محضر التحقيق. أهمها تلك الضمانات التي أحاط بها المشرع استجواب المشتبه فيه، لما ينطوي عليه استجوابه من أهمية، ولكونه على تماسٍ مباشرٍ مع حريته وحقوقه الأساسية كإنسان. ومن أبرزها: تدوين ما يعرف عن هويته القانونية، اطلاعه على حقوقه كمشتبهٍ فيه أو مشكو منه وفق ما هو مدرج في قانون أصول المحاكمات الجزائية (المادة 47)، وتمكينه من ممارسة ما يشاء منها، وتمكينه من الاستعانة بمحامٍ إن رغب في ذلك، إبلاغه بالسلوك الجرمي المنسوب إليه، احترام حقه فيما لو قرر التزام الصمت، احترام كرامته الإنسانية والامتناع عن استعمال أية وسيلة ضغطٍ أو إكراهٍ أو ترهيبٍ أو وعدٍ بالمساعدة فيما لو تعاون مع المحققين، أو توجيه أسئلةٍ إيحائية، تدوين ما يدلي به في إفادته بأمانةٍ وموضوعيةٍ ودون تحريفٍ أو اجتزاء، تلاوة إفادته عليه حرفيا قبل الطلب منه التوقيع عليها، تدوين ما يبديه من ملاحظاتٍ واعتراضاتٍ عند الاقتضاء. وتشكل هذه الضمانات في جوهرها ترجمة عملية لمفهوم المحاكمة العادلة منذ لحظة نشوء الشبهة الجزائية.
كذلك يجب احترام الحياة الخاصة وحماية البيانات الشخصية وحرمة المسكن عند القيام بإجراءات التفتيش أو ضبط الأجهزة الإلكترونية واستخراج البيانات الرقمية منها، بحيث لا تمارس هذه الإجراءات إلا ضمن الحدود التي يرسمها القانون وبما يحقق الغاية المشروعة منها، دون تجاوزٍ أو تعسف.
وأخيرا، لا يترتب البطلان على كل مخالفةٍ إجرائية، بل على المخالفات الجوهرية التي تمس حقوق الدفاع أو سلامة الدليل أو الحقوق الأساسية التي يحميها القانون. أما المخالفات التنظيمية البحتة التي لا ينتج منها ضرر جوهري، فلا تؤدي حكما إلى إهدار الإجراء وما ترتب عليه. وبالتالي فإن القيمة الحقيقية للتحقيق الأولي لا تقوم على الوصول إلى نتيجةٍ معينةٍ فحسب، بل على الوصول إليها بطريقٍ يحترم الشرعية الإجرائية ويصون الحقوق والحريات الأساسية، بما يجعل النتائج المتوصل إليها قادرة على الصمود أمام الرقابة القضائية ومنتجة لآثارها القانونية.