وفقاً للأنظمة الديمقراطية المتطوّرة إنّ الانتخابات هي أرقـى ممارسة ديمقراطية يقوم خلالها الناخبــون بعملية حُسن الإختيار بقرار يحمل العناوين التالية: إختيار حر - إختيار فاعــل - إختيار مسؤول. الحرية أيُّها الناخب أنْ يكون لديكَ حرية الإرادة الشخصية والموضوعية والمُلمّة بحقيقة الأوضاع السياسية العامة في البلاد ويكون هذا الإختيار على قـدر المسؤولية، إختيارك من المفترض أن يكون فاعلاً بمعنى أن تكون صاحب إقتناع في البرامج المطلّع عليها من قبل مرشحي دائرتك الانتخابية وبدور اللائحة التي تُلقى في صندوق الإقتراع وعلى أمل أن تكون واعياً ومُدركاً لثقافة الإقتراع وأن تكون شريكاً لمرشحك ومساءلاً له إن أخطأ فالمسؤولية تقع عليكما أنتما الإثنان.
إنّ التغيير في الجمهورية اللبنانية بفعل عوامل الغش والتضليل والقوانين الإنتخابية الجائرة وبفعل هذا النسيج المتشابك مسيرة طويلة شائكة متقطعة وليس مضموناً أن يؤدّي إلى تغيير شامل وأفضل مما هو الوضع عليه. مسار الشعب اللبناني منذ التسعينات وخصوصاً في موضوع الانتخابات النيابية مسار متعرِّج وبالتالي إستناداً للاستحقاقات السابقة إنّ التغيير الجذري والكامــل في الجمهورية اللبنانية مستحيل فعلياً وعملياً بسبب غياب الإرادة الشعبية وبسبب غياب قادة رأي روحيين وزمنيين.
ما يُعقِّـد عملية التغيير أكثر إنّ الذين ينتحلــون صفة «نوّاب - رؤساء أحزاب - مسؤولين مدنيين وروحيين - تغييريين - متملّقين» يغشّون الرأي العام عن سابق تصوّر وتصميم، وهم فعلياً جــــزء لا يتجزأ من لعبة جاه وسطوة سلطة ووصولية سياسية عاقة لا يحملــون سوى الوعــود المعسولة في لوائح الإتكالية والسطو على القرار والإقطاع والوراثة السياسية من ضمن تسجيل الأسماء وفق بدل مالي يُعرّف بـ«مصاريف لائحة - حجز مقعـد - تبرعات للناخبين [شراء الذمم]»، ويدّعــون جزافاً أنهم من الساعين لتطوير النظام والمحافظة على الديمقراطية وصون الأقليّات... هؤلاء أقل ما يُقال عنهم أنهم «مستغلّون - متواطئون - كذّابون - مراؤون»، إنْ ناداهم الإقطاع السياسي أياً يكُن هذا الإقطاع يهرولون إلى تسديد مبالغ مستحقة عليهم لحجز المقعد، يصحّ فيهم قـول المثل «مين ما أخــد إمي صار عمّـي».
عند كل إستحقاق إنتخابي تتحوّل المراكز الإجتماعية والدينية والسياسية إلى محطات للمرّشحين والنوّاب المنتهية صلاحياتهم عبر الوكالة المُعطاة لهم حيث يتّم عرض المشاريع والتطلّعات المستقبلية حتى أن أغلبية هؤلاء يصطحبــون معهم إعلاميين للإيحــاء بأنّ هذه التطلّعات وشغف خدمة الشأن العام المشوبة بالتزوير حصلتْ على رضى الناخبين الموجودين. علماً أنّ كافة المطّلعين على أجواء الرأي العام يُدركون تماماً أنه لا ثقة بهم ولا يستأهلــون النيابة.
المُرشحون والنوّاب الحاليّون يتعاملــون مع حفنة من المتزّلمين والسماسرة والجهلة والأغبياء دون التعامــل مع المتنوّرين البعيدين كل البُعد عن المنافع الشخصية الرخيصة... مرّشحون يفرضون مشاريع تخدم مصالحهم الخاصة ويدّعون تقديم مشاريع إنمائية أقـل ما يٌقال عنها أنها مشاريع فتنة كطرح «محافظة كسروان وجبيل» حيث يُمثِّل جبل لبنان تاريخياً قلب الكيان اللبناني ومن المهم التذكير أنه شكّل موطناً للفينيقيين ومصدراً لخشب الأرز وملاذاً للجماعات المسيحية المارونية والدرزية. فمن جبل لبنان إمارة التعايش الماروني - الدرزي إلى لبنان الكبير كان جبل لبنان موحّداً وسيظل موحّداً لا تفرّقه مصالح خاصة تحت عناوين ملتبسة، وإنْ كان البعض حريصاً على مواطني كسروان وجبيل فليُطبِّق اللامركزية الإدارية المنصوص عنها في وثيقة الوفاق الوطني.
بصفتنا البحثية وبصفتي أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية PEAC، إنما ندعــو عبر مؤسس وأعضاء المركز إلى المُشاركة في حــوار وطني - إنتخابي يهدُف إلى خلق حالة وطنيّة إنتخابية صحيّة تكون قاعــدة للمشاركة في الإستحقاق الإنتخابي النيابي بالرغم من خطر القانون الإنتخابي وتقسيم الدوائر وعن النقفات المالية وعن واجبات المرشح وعن دور الناخب ومسؤوليته في الإختيار.
من المعيب أن ننتخب من كانوا السبب في أزماتنا الوطنية والمعيشية... حرام أن ننتخب نواباً لا نعرفهم، لا مسؤولين ولا برامج... مفارقة خطيرة أن ننتخب بالمعنى الحصري للفظة «إنتخب»... نريد سلطة إشتراعية مستقلّة تمام الإستقلال عن اللوائح المعلبة والسياسة العميلة وتجّار حجــز المقاعد والإقطاع والإستئثار السياسي. المطلوب مُرّشحين لهم نظــرة تشريعية قانونية دستورية التي على أساسها يستحقّون أن ننتخبهم؛ ليتحقق حلم: التغيير عبر الانتخابات وإلّا هزيمة مُدوّية.
* كاتب وباحث سياسي - أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية (PEAC)