بيروت - لبنان

اخر الأخبار

21 نيسان 2026 12:05ص الخط الأصفر بين «البروباغاندا» وواقع الميدان: الحقيقة الكاملة للتوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان

حجم الخط
وزّع جيش العدو الإسرائيلي خريطة رسم عليها مناطق باللون الأصفر [هي بالأحمر في الخريطة المرفقة مع هذا التقرير] أطلق عليها تسمية «منطقة خط الدفاع الأمامي».
هذه الخارطة التي أثارت سيلا من التحليلات لا تزال تخضع لتمحيص دقيق يكشف الفوارق الشاسعة بين الأهداف الدعائية للعدو وبين الحقائق الصلبة على أرض الميدان.
وتشير التقارير الميدانية الموثقة إلى أن الإعلام الحليف لإسرائيل يروج لأرقام مضخمة جداً حول القرى التي تم التوغل فيها، حيث يتم الحديث عن احتلال 55 قرية في حين أن الواقع العسكري قبل اشتداد المواجهات كان يقتصر على خمسة إلى ثمانية مواقع حدودية فحسب.
وهنا لا بد من استعادة السياق التاريخي القريب فلبنان بأسره، من الجنوب إلى البقاع وصولاً إلى بيروت، كان مستباحاً بالقتل والتدمير حتى قبل اندلاع المواجهة البرية، حيث سجل استهداف نحو 500 شخص فضلاً عن اعتداءات كبرى مثل تدمير عشرة أبنية في الضاحية الجنوبية في ضربة واحدة ليلة عيد الأضحى من العام 2024، مما يعني أن محاولة العدو تصوير «إنجازاته» الحالية هي محاولة للتغطية على واقع استباحته السابقة لكل المحرمات.
وفي تفنيد لمزاعم السيطرة، يظهر جلياً أن الخارطة الموزعة [بحسب خبيرين عسكريين] تبالغ في أعداد القرى المشمولة، حيث قفزت الأرقام في الإعلام المعادي من 29 قرية إلى 55 قرية دون مستند ميداني حقيقي. كما أن إدراج قرى مسيحية مثل رميش وعين إبل ضمن «المناطق الحمراء» لا يعدو كونه تعميماً جغرافياً فهذه القرى لا يوجد فيها أي تواجد عسكري للمقاومة ودخول جيش العدو إلى أطرافها أو محيطها هو أمر متاح عسكرياً لا يشكل أي إنجاز استراتيجي أو مواجهة عسكرية تُذكر.
وتؤكد القراءة العسكرية أن هذه الخارطة تمثل «آخر طموح» للعدو الإسرائيلي بعد أن كُبحت أحلامه الكبرى بالوصول إلى مدينة صيدا ومن ثم إلى نهر الليطاني.
إنها خارطة «التمنيات» لا الواقع إذ إن أكثر من نصف المساحة المشار إليها باللون الأحمر ليست تحت سيطرة اسرائيل والبرهان الأكبر على ذلك هو فشل العدو الذريع في السيطرة على مدينة بنت جبيل الاستراتيجية، رغم تأخير البدء الفعلي اللهدنة لإعطاء فرصة لقواته لتحقيق هذا الخرق، ، كما أن صمود بنت جبيل في القطاع الأوسط حال دون الوصول الى كونين والتي أدرجها العدو ضمن الخريطة، وهو ما ينسحب أيضاً على قرى الشقيف ويحمر في القطاع الشرقي، والتي زارها الأهالي فور إعلان الهدنة في تحدٍ واضح للاحتلال.
أما المشهد الرمزي الذي اختصر حقيقة التواجد الإسرائيلي، فكان في قلعة الشقيف، حيث قام أحد المواطنين باقتلاع العلم الإسرائيلي ورميه أرضاً، وهو العلم الذي وضعه العدو بواسطة «محلقة» (طائرة مسيرة) خلال الحرب لعجزه عن تثبيت نقاط عسكرية دائمة داخل القلعة. وهذا يؤكد أن التواجد الإسرائيلي في كثير من النقاط كان «تواجد نار» واستعراض، وليس سيطرة «تمكين» واستقرار.

حقيقة تجريف القرى

وعلى مقلب آخر، تبرز الحقيقة المأساوية المتمثلة في سياسة «الأرض المحروقة» وتجريف القرى. فبالرغم من فشل العدو في السيطرة العسكرية المستدامة بعمق 10 كيلومترات كما تروج الشائعات - حيث لم يتجاوز التوغل الفعلي في معظم النقاط 2 إلى 5 كيلومترات - إلا أنه عمد إلى تدمير ممنهج للقرى الحدودية مثل ميس الجبل وبليدا ويارون وغيرها. وتتم عمليات التجريف هذه عبر وحدات هندسية متخصصة تستخدم أطنان المتفجرات لتفجير أحياء كاملة، أو جرافات ضخمة لمسح المنازل، بهدف خلق منطقة عازلة خالية من المعالم السكانية، وهو ما يمثل الوجه الأبشع للعدوان.
اليوم، تبدو الهدنة، رغم هشاشتها، قائمة على وقع خروق إسرائيلية مستمرة بالقصف والتجريف مما يضعها على حافة الانهيار قبل موعدها المحدد. ومع غياب الطيران الحربي عن معظم الأجواء اللبنانية مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الهدنة، يراقب أهالي القرى الجنوبية الوضع بحذر، بعد أن زاروا قراهم وتفقدوا ركام منازلهم، مؤكدين أن الأرض التي عجز العدو عن احتلالها عسكرياً، لن ترهبهم سياسة التجريف عن العودة إليها وإعادة إعمارها، ليبقى «الخط الأصفر» الذي رسمه العدو مجرد أوهام على ورق أمام صمود الواقع اللبناني.

بالتعاون مع موقع «مصدر دبلوماسي»