بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 شباط 2021 07:05ص الدبلوماسية: صدقية وإبداعية

حجم الخط
خلال عملنا الدبلوماسي في الخارج، غالباً ما نواجَه في محيطنا الاجتماعي بتحدّياتٍ جمّة منها التعرّض لانتقادات قد تكون في محلّها وقد لا تكون، لكن من واجبنا أن نستمع إليها ونقبلها لكي نستفيد من أخطائنا ونبني عليها كما علّمنا المثل الصيني: «من أخطائنا نكتسب الخبرة ومن خبرتنا نكتسب الحكمة».
إنّ من أهم واجبات الدبلوماسي الهدوء في الطباع والصدق والدقّة والتواضع وذلك وفقاً لتوصيات السياسي والكاتب البريطاني «هارولد نيكولسون»، لكن إذا صدفَ أن غضِبَ الدبلوماسي أو تصرّف بعصبيّة أو فقدَ السيطرة على نفسه فإنه سيكون عرضةً للانتقاد واللوم والمحاسبة من قبل الغير، وتكون التهمة الرئيسية الموجّهة إليه: أنت دبلوماسي، فلا يجدر بك أن تغضب. وكأنه كُتبَ على الدبلوماسي أن يكون محكوماً دائماً بضبط النفس، ومجرّداً من عواطفه أو أن يكون ملقّحاً ضدّ فيروس الغضب. 
خلافاً للشاعر أو الكاتب، فإنّ الدبلوماسي غير محظوظ في التعبير عمّا يخالجه من عواطف وشعور. فالشاعر ينطقُ بما ضاقَ به صدره ويعبّر بصدق عن أحاسيسه وعواطفه. في حين أنّ الدبلوماسي ملزمٌ بترويض عواطفه وغربلة أفكاره وتمويه نواياه ورغباته بهدف إرضاء مخاطبيه وعدم إغضابهم أو جرح شعورهم. ويمكن القول إنّ سرّ نجاحه لا بل مصلحته يقضيان بعقلنة شخصيته. وهكذا، نرى أنّ الدبلوماسي محكومٌ باتّساع صدره، وإذا صدفَ أن ضاقَ صدره بشيء، فإنه ينطقُ ويعبّرُ بعينيه وقلبه، هذا إذا لم يسكت قلبه نهائياً من شدّة ضيق صدرِه.
إنّ قاموس الدبلوماسية غنيّ جداً بالتعريفات وفقاً للزاوية التي يُنظر إليها من خلالها. فرجُل الدول البريطاني «أنطوني إيدن» عرّفَ الدبلوماسية بأنها وسيلة تهدف إلى التخفيف من التوتّر وإلى الترويج للتفاهم، في حين اعتقد آخرون بأنها ترتكز على تجنّب قول الحقيقة أو على الكذب كما اعتقد تاليران عندما عرّف الدبلوماسية بالكذب ونكرانه «Diplomacy is lie and deny».
ومن هذه النافذة، نطلّ على التعريف الشهير الذي اقترن بإسم الدبلوماسي والسياسي البريطاني Henry Wotton والذي يردّده جميع الدبلوماسيين: «السفير هو رجلٌ صادق أُرسلَ إلى الخارج من أجل أن يكذبَ لمصلحة وطنه».
أما Komura Jutaro الذي خدم سابقاً وزيراً لخارجية اليابان فلقد عُرفَ بعبارته المتمايزة بأنه «يتوجب على الدبلوماسي أن يستعمل أذنيه وليس لسانه». ونحن نرى أنّ الوزير الياباني على حقّ وما يؤكد وجهة نظره ما ورد في رسالة القدّيس يعقوب – العهد الجديد من الكتاب المقدّس: 
«أما اللسانُ فما من إنسانٍ يقوى على قمعه، إنه شرٌّ لا ينضبط، مفعمٌ سُمًّا قتّالاً».
إنّ من يهوى قراءة ما كُتبَ عن الدبلوماسية يلاحظ أنّ العديد من الكتّاب المرموقين قد وصفوها بأنها فنّ التفاوض: «Diplomacy is the science or art of negotiation» Charles de Marten.
فالتفاوض هو أساس التفاهم، ليس فقط قبل نشوء النزاع بل أيضاً بعده، كما يرعى العلاقات الثنائية والمتعدّدة الأطراف إضافةً إلى التواصل مع الأعداء والشركاء في سبيل تقاسم المغانم وكذلك التواصل بهدف بلوغ تسوية بين الأطراف.
لكنّ منطق التفاوض والتواصل مع الغير يجابِه عملياً مطبّات عديدة، لذلك ينبغي مراعاة بعض الأصول والشروط. وفي هذا الإطار، تبدو مقولة السير ألك دوغلاس هوم – رئيس الحكومة البريطانية في العام 1963 – معبّرة جداً والواردة في صحيفة التايمز بتاريخ 9/5/1996:
«A Diplomat should think twice before saying nothing»، أي أنه على الدبلوماسي أن يفكّر مرّتين قبل أن يقول شيئاً. كما أضاف أنه من المفيد أن يستعمل الدبلوماسي الكلمات التالية: right، appropriate، proper، fitting. واعتبر أنه من الأفضل أن يعتمد الدبلوماسي أسلوب الحرباء chameleon القادرة على تغيير لونها حسب المكان الذي تطأه، أي المراوغة بمعنى آخر. كما أسهب السيد دوغلاس هوم في التحدّث ذاكراً أنه إذا قال الدبلوماسي «نعم»، فذلك يعني «ربما»، أما إذا قال ربما فيعني «لا»، لكن لا يجوز له أن يجيب بكلمة «لا». وخلُصَ إلى الاستنتاج بأنّ الدبلوماسية هي فنّ التزحلق على الجليد مع وجوب التنبّه إلى عدم السقوط في المياه الدافئة.
وفي هذا الصدد، أتذكّر أنني التقيت في العام 1996 خلال مشاركتي في اجتماعات المنظمة البحرية الدولية في لندن بدبلوماسي فرنسي، وبينما كنّا نتحدّث عن الصفات الدبلوماسية، أشار إلى أنّ قاموس الأكاديمية الفرنسية للعام 1832 قد تضمّن ما يفيد «أنّ الحكيم يحرّك لسانه سبع مرّات قبل أن يتكلم»، لكنه أضاف أنه يتوجب على الدبلوماسي أن يحرّك لسانه سبع مرّات، ليس قبل أن يتكلم بل قبل أن يصمت».
ولا شكّ أنّ المقصود هنا هو أن يدركَ الدبلوماسي تماماً ما ستؤول إليه نتائج وعواقب كلامه وتأثيره السيئ عليه، في حال نطق بالشرّ أو بالخطأ، لأنّ الكلمة التي تخرج من الفم أو التي يخطّها القلم لا يمكن استردادها وقد يدفع ثمنها غالياً في حال كانت في غير محلّها أو سبّبت ضرراً للغير أو اندرجت في خانة الخطأ الجسيم. واستزادةً في تحليل التعريفات البارزة للدبلوماسية، لفت انتباهي التعريف الآتي: 
«Diplomacy is to do and say the nastiest things in the nicest way»، أي أن تعمل وتقولَ الأسوأ أو الأقبح بالطريقة الألطف. وهذا يعني أن تنقل إلى الغير الخبر السيئ سواء كان انتقاداً أم إنذاراً أم لوماً بطريقة لطيفة يستسيغُها الطرف الآخر من دون أن يغضب أو تصدر عنه ردّة فعل عنيفة. إنّ هذا الأداء الدبلوماسي يتطلب مهارة عالية وقدرة على ضبط النفس لدى الطرف الأول ولكي نجسّد عملياً هذا الأسلوب الدبلوماسي نعطي في ما يلي المثل التالي:
لنفترض أنك في معرِض توجيه النقد إلى الغير ، وبدلاً من أن تخاطبَه قائلاً: «لقد أخطأت أو أنت مخطئ فتثير غضبه، فتعمد إلى تبديل صيغة التخاطب فتقول له: لو كنت مكانك في حالةٍ مماثلة، لاعتبرت نفسي مخطئاً، فعندها يصبح الانتقاد سلساً ولطيفاً وبذلك تكون الرسالة قد وصلت بطريقة مقبولة إلى الطرف الآخر.
أما إذا أردنا أن نعطي مثلاً على أداء غير دبلوماسي وغير مألوف أو مندرج تحت عنوان الخطأ الجسيم فنشير إلى أنه في 12/10/1960، نزع خروتشيف، السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفياتي، حذاءه أثناء الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة وضرب به على الطاولة بقوة، وذلك اعتراضاً على خطاب رئيس الوفد الفليبيني الذي هاجم فيه السياسة الخارجية للاتحاد السوفياتي في أوروبا واصفاً إيّاها بالاستعمارية.
لا بدّ لنا هنا من التحدّث عن أصل أو مصدر كلمة دبلوماسي Diplomat، وتشير المراجع الدبلوماسية إلى أنّ هذه الكلمة قد استُعملت لأوّل مرّة في العام 1645 وهي مشتقّة من كلمة يونانية Diploma تعني طوي أو ثني مستند رسمي I double قبل منحه أو تقديمه. وكان العالِم والفيلسوف Leibnitz والبارون الفرنسي Jean Dumont قد نشرا في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر مجموعة معاهدات ومستندات رسمية متعلّقة بالعلاقات الدوليّة يتولاّها رسميون تحت هذا العنوان باللغة اللاتينية Diplomaticus، إضافةً إلى العنوان الفرنسي Diplomatique.
ثمّ ما لبث «إدمون بيرك»، رجل الدولة الإيرلندي - الإنكليزي أن استعمل في العام 1796 عبارة Diplomatic Body وكلمة Diplomacy الدالّة بنظره على مهارة ولباقة ولطف وصدق وذكاء الدبلوماسي.
ورُبَّ سائلٍ يسأل، أيّهما أفضل، أن يكون الدبلوماسي محبوباً بفضل لطفه ولياقته أو أن يكون محترماً بفضل مصداقيّته؟
صحيحٌ أنّ اللطف يسهّل عمل الدبلوماسي لكنّ الصدق والمصداقية يجعلان منه موضع ثقة واحترام الآخرين. وخلافاً لما اعتقده مكيافللي عندما عرّف الدبلوماسية بالمراوغة والخداع لأنّ الصدق هو مفتاح نجاح الدبلوماسي. وكان Jules-Martin Cambon، السفير الفرنسي المعروف بدوره البارز في مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وإسبانيا في أواخر القرن التاسع عشر، قد أكّد «انّ الأداة الأفضل المتوافرة لحكومة تريد إقناع حكومة أخرى تبقى دائماً الكلمة الصادرة عن رجلٍ صادق».
تعلّمتُ الدبلوماسية من يسوع المسيح
حيث يُستفاد ممّا تقدّم أنّ الدبلوماسية تتمايز في أحد أوجهها في القدرة على التعامل بلباقة ومهارة مع المواقف الحرِجة، إضافةً إلى التكيّف مع الغير من دون إغضابه مهما كَبُر استفزازه.
وكنت أتساءل عن السلوك العملي الذي يتوجّب على الدبلوماسي اعتماده في مواقف مماثلة إلى أن لفتَ انتباهي مقطعٌ هامّ في الفصل 13 من إنجيل مرقس في الكتاب المقدّس. يتحدّث هذا المقطع عن محاولة الفرّيسيّين اليائسة الإيقاع بيسوع المسيح ليجدوا فيه مأخذاً في كلامه لكي يسلّموه إلى حكم الوالي وسلطانه فسألوه قائلين: «يا معلّم، نحن نعلم أنك صادق وتنطق بالحق، هل يجوز أن ندفع الجزية لقيصر أم لا؟». أدرك يسوع مكرَهم فقال لهم: «أروني ديناراً». وسألهم: «لمن الصورة عليه؟»، فأجابوا: «لقيصر». 
عند ذلك، قال لهم: «أدّوا ما لقيصر لقيصر وما للّه إلى الله». فلم يجد الفرّيسيّون في كلامه أي مأخذ عليه أمام الشعب فسكتوا.
وتعليقاً على هذا المقطع الجميل، أقول إنّ يسوع المسيح استطاع أن يقول الحقيقة بأسلوب دبلوماسي متمايز من دون أن يُغضبَ أحداً. لأنه إذا قال لهم إدفعوا الجزية لقيصر، فإنه سيُحرج ويُغضب اليهود الرازحين تحت الاحتلال الروماني. أما إذا قال لا تدفعوا الجزية، فإنّ هذا الجواب سيُغضب الرومان أصحاب السلطة. لذلك، يمكن القول إنّ يسوع أرضى الطرفين ببراعةٍ فائقة وخرجَ سالماً بعد أن نجح في التعامل مع الفرّيسيّين مجابهاً استفزازهم بمرونة وحكمة بالغة. 
ووفقاً لهذا المقطع المعبّر، أستطيع القول أنّ يسوع المسيح أرسى نهجاً دبلوماسياً يُحتذى به.