د. جيرار ديب
سخر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في نيسان الماضي من نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون وزوجته زاعماً أن زوجته بريجيت تعامله «معاملة سيئة للغاية» وأن ماكرون «لا يزال يتعافى من ضربة» أو «لكمة» منها، وأتى ذلك ردّاً على دور باريس السلبي عبر رفضها المشاركة في عمليات عسكرية ضد إيران.
ليست المرة الأولى التي يسخر ترامب من ماكرون، ففي ولايته الأولى، غرّد متهكّما على إدارته للأزمات، على موقع «تويتر» (إكس) حالياً، بعدما استغلّ المشاكل التي يواجهها بسبب الاحتجاجات الشعبية على الرسوم الإضافية التي كانت تسعى الحكومة لفرضها على الوقود.
لا وجود للكيمياء بين الرجلين، رغم أنّ فرنسا والولايات المتحدة يتموضعان ضمن ما يُعرف بالحلف الغربي، كما وخاضا جنباً إلى جنب حربين عالميتين. إن التباعد الفرنسي - الأميركي، بات علناً وإن قضية مضيق هرمز وعدم السماح الفرنسي للمقاتلات الأميركية عبور مجالها الجوي ليس موضوعاً عرضياً. فالطلاق وقع بين الطرفين وما كان مستحيلاً بالأمس، أصبح اليوم ممكناً لا بل مطلوباً، هذا ما يفسر للبعض المكوكية الدبلوماسية التي يقوم بها ماكرون الهادف تكريس الحضور الفرنسي وربما إلى تطويق النفوذ الأميركي.
لم تعد مطالب فرنسا تتوقف عند حدود انشاء جيش أوروبي بعيداً عن حلف شمال الأطلسي الناتو، لإخراج الجيش الأميركي من الحماية الأوروبية. فباريس برئاسة ماكرون وسّعت من دائرة مهمتها، إذ توقف المتابع على رقصة ماكرون على أغنية «هاكونا ماتاتا»، خلال مراسم استقباله في العاصمة الكينية، نيروبي، الإثنين 11 أيار الجاري، حيث انطلقت أعمال قمة فرنسا - إفريقيا تحت شعار «إفريقيا إلى الأمام»، لترسيخ الحضور الفرنسي في القارة السمراء، بعد سلسلة من الانتكاسات للدور التاريخي لفرنسا في أكثر من دولة فرنسية بإشراف أميركي.
طبعا، هذه المشاركة لن تتمثل فيها فرنسا بصفة المستعمر التي سهلت على أميركا دخول القارة، لكن بصفة المتعاون، إذ حددت الحكومة الفرنسية أولويات التعاون مع القارة السمراء والتي تشمل زيادة الاستثمارات وتعزيز التعاون في مجالات الصحة والتعليم والغذاء والتكنولوجيا الرقمية، مستغلّة من انشغال واشنطن في قضايا نجدها أولوية على رأسها تأمين الأمان لربيبتها إسرائيل وتحقيق مطامع رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.
ليست الرقصة الماكرونية هي من توقف عندها المتابع، لكن رياضة الجري في الاسكندرية أثناء زيارته للمدينة المصرية الأحد 10 أيار، وذلك أثناء زيارته إلى مصر من أجل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. زيارة لها أبعادها التاريخية، لإعادة توطيد الصداقة التي تربط فرنسا في مصر زمن عبد الوالي سعيد أوائل عهد إسماعيل. فمصر بالنسبة إلى فرنسا ميداناً ذكرياتها ومصالحها، إذ على أرضها نزل نابليون، وبين ربوعها أنشأت أكبر مشروع عرفه العالم في ذلك الوقت وهو شق قناة السويس.
قليلا من الحنين يعزز أهداف الزيارة، خصوصاً وإنها أتت في الوقت الذي تشهد فيه مصر على تباعد استراتيجي مع واشنطن بسبب الخلافات على مواضيع كثيرة منها موضوع «الترانسفير» لسكان غزة السبب الذي أرجأ زيارة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي إلى البيت الأبيض، وقضية سدّ النهضة الذي لم تنقع مناشدات مصر لواشنطن للتدخّل لدى أثيوبيا لحل الخلاف.
هي فرنسا بـ«حلّة جديدة» أرادها ماكرون من أجل الدفع دبلوماسياً لتعزيز حضورها على مختلف الصعد حتى دور الوسيط. إذ أعربت الصين في بيان لها عبر وزارة التجارة، السبت 9 أيار، عن أملها في أن تلعب فرنسا دوراً نشطاً في تشجيع الاتحاد الأوروبي على إبقاء أسواقه مفتوحة، إضافة إلى حل النزاعات الاقتصادية والتجارية من خلال الحوار.
ربما، وقاحة ترامب حملت ماكرون، على إعادة ضبط العلاقة بين البلدين، لكنّ صفعة بريجيت لا يمكن وضعها في خانة الخلافات العائلية، بقدر ما يجد البعض فيها، صفعة مدرّسة إلى تلميذها، بهدف إيقاظ الوعي المغيّب. إذ بين الوقاحة والصفعة تبدّل الموقف الخارجي الفرنسي، مستفيداً من الثغرات التي يقع فيها الأميركي في الساحة الدولية منها حرب إيرن، ومعززاً بحاجة الدول إلى دور الإليزيه لاستعادة مكانتها الطبيعية كدولة مؤثرة في السياسة الدولية.
بين الرقص والجري ينجح ماكرون في اشغال الرأي العام في تسليط الضوء على التواجد الفرنسي في القارة السمراء، ومن يدري قد يحتاج إلى زيارة سور الصين العظيم لتحقيق التواصل بين بكين ودول الاتحاد الأوروبي. رغم نجاح تلك الجهود على الأقل إعلامياً، لكنّ يدرك ماكرون أنه يسابق الوقت مع رئيس أميركي متقلب القرار والمزاج وفي ضوء حرب روسيا على أوكرانيا باتت نيرانها تهدّد وصولها إلى العمق الأوروبي، وبين فترة رئاسته بدأ عدّها العكسي لنهايتها، فهل بعد الحركة الماكرونية هناك بركة؟