بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 تشرين الثاني 2025 12:10ص السنّة في لبنان بين نظرية الأمّة وواقع الطائفة

حجم الخط
منذ قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، ظلّ موقع الطائفة السنية في الكيان اللبناني موضع نقاش وسجال فكري وسياسي واسع. فهذه الطائفة، التي شكّلت تاريخياً جزءاً من الفضاء العثماني والعربي الإسلامي، وجدت نفسها فجأة أمام واقع سياسي جديد حوّلها من مكوّن من مكوّنات «الأمّة الإسلامية» إلى «طائفة» بين طوائف أخرى في دولة حديثة الولادة تقوم على توازنات مذهبية دقيقة. ومنذ ذلك الحين، ظلّ السنّة في لبنان يعيشون حالة من التوتر بين نظرية الأمة التي ينتمون إليها فكرياً وثقافياً، وواقع الطائفة الذي فُرض عليهم سياسيّاً واجتماعيّاً.
قبل نشوء دولة لبنان الكبير، كان السنّة في المشرق العربي عموماً، وفي مناطق بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع خصوصاً، ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم جزءاً من الأمة الإسلامية الكبرى التي كانت الدولة العثمانية إطارها السياسي الجامع. فقد كانت الهوية الدينية والسياسية للسنّة آنذاك مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالسلطنة العثمانية باعتبارها «دولة الخلافة»، حيث لا وجود لمفهوم «الأقليات» أو «الطوائف» بالمعنى الحديث. الجميع كان من «رعايا السلطان»، يتمايزون مذهبياً أو عرقياً، لكنهم يعيشون ضمن منظومة شرعية واحدة.
غير أنّ سقوط الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وإعادة رسم خرائط المشرق العربي بموجب اتفاقية سايكس - بيكو، أحدثا زلزالاً لناحية الهوية لدى السنّة العرب في بلاد الشام. فبانهيار السلطنة فقدوا الإطار السياسي الذي كان يرمز إلى وحدتهم ويمثلهم على مستوى «الأمّة». وعندما أُعلنت دولة لبنان الكبير عام 1920 تحت الانتداب الفرنسي، وجد السنّة أنفسهم في كيان لم يشاركوا فعلاً في صياغته، بل رأوا فيه مشروعاً مخالفاً لتطلّعاتهم الوحدوية والقومية. كان معظم الزعامات السنية في ذلك الحين يميلون إلى الانضمام إلى المملكة السورية بقيادة فيصل بن الحسين، ويرفضون فكرة إنشاء دولة لبنانية منفصلة ذات طابع مسيحي - ماروني غالب.
مع تثبيت الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا، دخل السنّة مرحلة من الازدواج بين الانتماء السياسي والوجداني. فقد وجدوا أنفسهم تحت سلطة فرنسية تُشجّع الهويات المحلية والطائفية، في وقت ظلّ فيه وجدانهم القومي متجهاً نحو دمشق والعالم العربي. وكانت مدينة طرابلس، على سبيل المثال، أكثر المدن اللبنانية رفضاً للكيان الجديد، إذ ظلّ أبناؤها حتى الثلاثينيات يعتبرون أنفسهم جزءاً من سوريا الطبيعية.
في هذا السياق، جاءت معاهدتا 1936 لتعمّق الشرخ في الهوية عند السنّة في لبنان.
فقد عقدت بريطانيا معاهدة مع مصر (المعاهدة البريطانية - المصرية) تمنحها استقلالاً تدريجياً، كما عقدت فرنسا مع سوريا (المعاهدة الفرنسية – السورية) اتفاقاً يعترف باستقلال الأخيرة ويعِدُها بالسيادة الكاملة خلال سنوات محددة. هاتان المعاهدتان أثارتا موجة أمل عروبي في المشرق، إذ بدا وكأنّ الاستقلال العربي عن الانتدابات الأجنبية يقترب، لكن لبنان لم يكن مشمولاً بأيّ من هذه الترتيبات.
وهنا شعر السنّة اللبنانيون بوضوح بأنهم مستبعدون من مسار الاستقلال العربي، وبأن لبنان يتّجه نحو كيان منفصل تحكمه توازنات طائفية تكرّس الزعامة المارونية. فبينما بدت سوريا ومصر تتقدمان نحو سيادة وطنية ذات طابع عربي، بقي لبنان في ظل الانتداب الفرنسي الذي حرص على تثبيت الحدود الطائفية والمؤسساتية بين مكوّناته. وهكذا، أدرك السنّة أنّ خيار الوحدة مع سوريا أو الاندماج في مشروع عربي أوسع قد تراجع نهائياً، وأنّهم صاروا مضطرين للتعامل مع واقع «الكيان اللبناني» كحقيقة لا يمكن تجاوزها.
هذا الوعي الجديد أنتج نوعاً من الانكفاء السياسي المشوب بالمرارة. فبدلاً من اعتبار أنفسهم جزءاً من «الأمة» التي تتجه نحو الاستقلال، وجد السنّة أنفسهم مجرّد طائفة داخل دولة صغيرة. وبالفعل، تزامن ذلك مع ظهور الزعامات السنية المحلية التي بدأت تتعامل مع الدولة اللبنانية كإطار واقعي ينبغي تحسين شروط المشاركة فيه، لا رفضه بالكامل. فبرزت شخصيات مثل رياض الصلح وعبد الحميد كرامي اللذان سعيا إلى التوفيق بين الانتماء العربي والخصوصية اللبنانية.
تُوّج هذا التحوّل في عام 1943 مع إبرام الميثاق الوطني بين الزعيمين بشارة الخوري ورياض الصلح، والذي شكّل تسوية تاريخية بين المسلمين والمسيحيين. قبل المسلمون، ومن ضمنهم السنّة، بكيان لبنان المستقل مقابل تخلي المسيحيين عن الحماية الأجنبية والارتباط بالغرب. ومنذ تلك اللحظة، أصبح السنّة شريكاً أساسياً في الدولة اللبنانية الجديدة، يحتلون موقع رئاسة الحكومة ويمثلون أحد الأعمدة الثلاثة للنظام السياسي.
غير أنّ هذا القبول لم يكن انتقالاً فكرياً كاملاً من مفهوم الأمة إلى مفهوم الطائفة، بل كان قبولاً براغماتياً بواقع سياسي فرضته موازين القوى. فالهوية السنية بقيت متجذّرة في العروبة والانتماء الإسلامي، لكن الممارسة السياسية اليومية كانت تمرّ عبر مؤسسات الطائفة ومواقعها في النظام. وهكذا بدأ التناقض بين المبدأ والواقع يأخذ شكلًا مؤسساتياً: في الخطاب أمة، وفي الدولة طائفة.
عاشت الطائفة السنية في لبنان خلال العقود اللاحقة حالة من الازدواجية الهويّاتية بين «العروبة» و«اللبنانية». فبينما تبنّت نخبها السياسية خطاب العروبة والوحدة، خصوصاً في الخمسينيات والستينيات مع صعود التيار الناصري، كانت في الوقت نفسه جزءاً من النظام السياسي اللبناني الذي يقوم على مبدأ التوازن الطائفي. وقد تجلّى هذا التناقض في محطات عدّة، أبرزها أزمة 1958، حين انقسم اللبنانيون بين مؤيد للسياسة الغربية (في عهد كميل شمعون) ومناصر للمشروع العربي بقيادة جمال عبد الناصر، وكان معظم السنّة في صفّ العروبة والوحدة.
لكن الحرب الأهلية (1975–1990) وما أعقبها من اتفاق الطائف أعادتا تثبيت الطائفية السياسية رغم الخطاب الإصلاحي. فالاتفاق منح المسلمين، ومنهم السنّة، صلاحيات أوسع، لكنه في الوقت ذاته كرّس الطائفية دستورياً. وبذلك، بقي السنّة أسرى واقعٍ يتناقض مع وعيهم التاريخي، ويحوّلهم إلى «طائفة» تنافس على الحصص ضمن منظومة متشظية.
بعد انتهاء الحرب، مثّل رفيق الحريري نموذجاً جديداً للزعيم السني الذي يسعى إلى بناء الدولة وتعزيز الاقتصاد، جامعاً بين الهوية الوطنية والانتماء العربي. إلّا أنّ اغتياله عام 2005 أدخل الطائفة في مرحلة انقسام سياسي حاد، وتراجع دورها الموحّد في المعادلة الوطنية. ومع صعود الدور الشيعي بقيادة حزب الله وتبدّل التوازنات الإقليمية، واجه السنّة شعوراً متزايداً بالتهميش والقلق على موقعهم.
وهكذا، تكرّست حالة من الضياع بين المبدأ والواقع: فهم أبناء فكرة الأمة، لكنّهم محكومون بنظام الطائفة. لا مشروع العروبة تحقق، ولا الدولة المدنية حلّت محل النظام الطائفي.
الإشكالية الجوهرية التي يواجهها السنّة في لبنان اليوم تعود إلى هذا التباين بين الوعي التاريخي والواقع السياسي. فمن جهة، ما زال الوجدان السنّي مرتبطاً بفكرة الأمة الإسلامية والعربية الجامعة، ومن جهة أخرى يجد نفسه محصوراً داخل بنية سياسية طائفية. لقد كرّست التجارب المتلاحقة - من معاهدات 1936 إلى الميثاق الوطني فالحرب الأهلية - هذا التناقض وأبقت الطائفة في موقع التوفيق بين الهوية الكبرى والانتماء المحلي.
في ضوء ما تقدّم، يتّضح أنّ السنّة في لبنان قد انتقلوا، عبر مسار تاريخي معقّد، من موقف التشكيك في الكيان إلى الإيمان بنهائيته واعتباره الإطار السياسي الطبيعي الذي تتحقق داخله مشاركتهم الوطنية. وقد شكّل هذا التحوّل خياراً واعياً، لا تعبيراً عن انكسار أو تراجع، بل عن إدراك بأنّ امتدادهم العربي - الذي لطالما كان جزءاً بنيوياً من هويتهم - يمكن أن يكون مصدر قوّة لهم وللبنان معاً، شرط أن يقترن بالحفاظ على الخصوصية اللبنانية التي باتوا جزءاً أصيلاً من صناعتها وقرارها.
ولم يكن وجودهم كطائفة داخل هذا الكيان سبباً لانتقاص دورهم، بدليل أنّهم شكّلوا ركناً أساسياً في المعادلة السياسية منذ الميثاق الوطني عام 1943، وتكرّس حضورهم ودورهم بعد اتفاق الطائف الذي أعاد توزيع الصلاحيات ورسّخ مشاركتهم في بنية الدولة. ومن هنا، فإنّ دورهم الوطني لا يكتمل إلّا بممارسة حضورهم السياسي بفاعلية وثقة، بعيداً عن أي شعور بالمظلومية أو الإقصاء، انطلاقاً من كونهم شريكاً أصيلاً في صياغة مستقبل البلاد، لا طرفاً هامشياً داخلها.
وهكذا، بات السنّة اليوم مكوّناً وطنياً كاملاً، يجمع بين عمقه العربي وارتباطه بلبنان النهائي، في صيغة توازن دقيق تشكّل ركيزة من ركائز استقرار الكيان وتعدديته.